جريرته ، فتجاوزه « 1 » عنه أو تأخيره العقوبة ، حمله على الاغترار ؛ إذ ظن أنه يعفى عنه أبدا كذلك ؛ فأقدم عليها ، وإلا لو حلت به العقوبة وقت ارتكابه المعصية ، لكان لا يتعاطى المعاصي ، ولا يرتكبها ، فعذره أن يقول : الذي حملني على الإغفال والاغترار كرمك أو حمقي ، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين تلا هذه الآية : « الحمق يا رب » « 2 » .
أو يكون قوله :
ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
أي : أي شيء غرك حتى ادعيت على الله تعالى أنه أمرك باتباع آبائك ؟ ! أو تشهد عليه إذا ارتكبت الفحشاء أن الله تعالى أمرك به ؛ على ما قال :
وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا
[ الأعراف : 28 ] ، ألم أبعث إليك الرسول ؟ ! ألم أنزل إليك الكتاب فتبين لك ما أمرت به عما نهيت عنه ؟ ! .
وقيل : نزلت الآية في شأن كلدة ؛ حيث ضرب النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ فلم يعاقبه الله - تعالى - فأسلم حمزة حمية لقومه ؛ فهمّ كلدة أن يضربه ثانية ؛ فنزلت الآية :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
حيث لم يهلكك عند تناولك رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم .
لكن لو كانت الآية فيه فكل الناس في معنى الخطاب على السواء ، والله أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
ففي ذكر هذا تعريف المنة ؛ ليستأدي منه الشكر .
وفيه ذكر قوته وسلطانه حيث قدر على تسويته في تلك الظلمات الثلاث التي لا ينتهي إليها تدبير البشر ، ولا يجري عليها سلطانهم ؛ ليهابوه ويحذروا مخالفته .
وفيه ذكر حكمته وعلمه ؛ ليعلموا أنهم لم يخلقوا عبثا ولا سدى ؛ لأن الذي بلغت حكمته ما ذكر من إنشائه في تلك الظلمات الثلاث من وجوه « 3 » لا يعرفها الخلق ، لا يجوز أن يخرج خلقه عبثا باطلا ؛ بل خلقهم ليأمرهم وينهاهم ، ويرسل إليهم الرسل ، وينزل عليهم الكتب ؛ فيلزمهم « 4 » اتباعها ، ويعاقبهم إذا أعرضوا عنها ، وتركوا اتباعها ، وسنذكر وجه التسوية « 5 » في قوله :
الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى
[ الأعلى : 2 ] : أنه سواه على ما توجبه الحكمة .
أو سواه بما به مصالحه .
هامش
( 1 ) في ب : فتجاوز .
( 2 ) أخرجه سعيد بن منصور ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر كما في الدر المنثور ( 6 / 534 ) .
( 3 ) في ب : وجه .
( 4 ) في ب : فلزمهم .
( 5 ) زاد في أ : به .