تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
فأخبر تعالى أن المنافقين لكاذبون فيما يشهدون بالإيمان في قلوبهم ، ويعلم أن يكون المعنى من قوله :
نَشْهَدُ
أي : نعلم برسالتك في قلوبنا ، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون فيما أخبروا أنهم يعلمون رسالته في قلوبهم ، وقد كان ألزمهم برسالته من جهة الآيات والحجج ، ولكن تعاموا عن ذلك العلم استخفافا منهم وتعنتا ؛ فصار ذلك العلم كالجهل الحقيقي ، ثم أخبروا هم عن أنفسهم وضمائرهم أنهم يعلمون ، وأخبر الله أنهم لكاذبون أنهم يعلمون برسالته ، والله أعلم . ثم الواجب أن يعلم ما الذي أحوجهم إلى أن قالوا :
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
، وقد كان كثير من المؤمنين يلقون رسول الله ولا يقولون ذلك ، فكيف قال المنافقون ذلك ؟ ! فمعناه عندنا - والله أعلم - : أنهم حيث اعتادوا مخادعة الله ورسوله امتحنهم الله تعالى بهذه المقالة . ويحتمل أن يكونوا جروا على عادتهم أنهم إذا لقوا المسلمين قالوا : بمثل ما آمنتم ، وإذا لقوا المشركين قالوا :
إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
[ البقرة : 14 ] ، فإذا لقوا رسول الله قالوا :
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
على عادتهم في كل جنس بما يليق به وبمذهبه ، والله أعلم . ويجوز أن يكونوا يخافون أن قد بلغ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم خلافهم وتكذيبهم ؛ فكانوا إذا لقوه قالوا :
نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ
، اعتذارا عن ذلك الخلاف لو بلغه ؛ ألا ترى إلى قوله :
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
كانوا يحسبون من سوء ما يضمرون في قلوبهم من النفاق أن كل من كلم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم فإنما كلمه بسببهم ، فكذلك الأول ، والله أعلم . ثم قال هاهنا :
نَشْهَدُ
ولم يقل ( نشهد بالله ) ؛ لأن المعنى من هذا الحلف ، والحلف من المؤمنين في المتعارف إنما يكون بالله تعالى ؛ فلذلك أجزئ بقوله :
نَشْهَدُ
عن قوله : ( بالله ) فيكون هذا دليلا لقول أصحابنا : إن قوله :
نَشْهَدُ
يكون يمينا حيث ذكر هاهنا بطريق القسم ، والمعنى ما أشير إليه ، والله أعلم . وقوله :
فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
، له تأويلان : أحدهما :
فَصَدُّوا
أي : أعرضوا بأنفسهم عن طاعة الله والإيمان برسوله . والثاني : أن صدوا الضعفة عن اتباع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم ، وعن الإيمان . وقوله :
إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
. أي : بئس ما كانوا يعملون من الإعراض عن الآيات والحجج ، وحيث آثروا الكفر على الإيمان . ويحتمل : بئس ما كانوا يصنعون من صد الضعفة والأتباع عن الإيمان برسول الله ، صلّى اللّه عليه وسلم .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 19 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم