تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
يفهم اليدان حقيقة الجارحتين ، واللّه الموفق . وقوله :
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ .
أي : هذا القرآن هو تنزيل من حكيم حميد ، الحكيم : هو الذي لا يلحقه الخطأ في تدبيره أو في حكمه ، والحميد : هو الذي لا يلحقه الذم في فعله ، واللّه الموفق . ثم قوله :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ
لم يخرج له جواب في هذا الموضع ، ثم قال بعضهم : جوابه ما ذكر في آية أخرى بعد هذا ، وهو قوله :
أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
، وقال بعضهم : بل جوابه ما ذكر في « حم المؤمن » حيث قال اللّه - تعالى - :
ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ
يعزّي النبي ويصبّره ليصبر على ما كانوا يقولون له : إنه كذاب وإنه ساحر ، وإنه مجنون ، وإنه إنما يعلمه بشر ، وإنه مفتر ، وغير ذلك من أنواع الأذى ، كانوا يؤذونه وكان يشتد عليه ذلك ويثقل ؛ لأنه كان يدعوهم إلى ما به نجاتهم وهم كانوا يستقبلونه بما ذكر ، فقال اللّه - تعالى - له عند ذلك :
ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ
من التكذيب والنسبة إلى السحر والجنون وغير ذلك ، يصبّره على ذلك ؛ وهو كقوله تعالى :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ . . .
الآية [ الأحقاف : 35 ] . ويحتمل أنه إنما ذكر ذلك له ؛ ليسلّى به عن بعض ما يلحقه من الضجر والوحشة بالذي قالوا فيه ؛ بما علم أنه ليس بأول مكذّب من الرسل ، ولا بأول متأذّ في ذات اللّه تعالى ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ .
يقول - واللّه أعلم - : على أن ذلك إن ربك لذو مغفرة لو تابوا ، ورجعوا عن ذلك ، وذو عقاب أليم لو ثبتوا وداموا على ذلك . أو يقول - واللّه أعلم - على الصلة لقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ
أي : إنه لذو مغفرة يغفر لهم ما كان منهم من التكذيب لك والتكذيب للقرآن لو تابوا ورجعوا وصدقوا ، وذو عقاب أليم إن لم يتوبوا وثبتوا على ذلك ، واللّه أعلم . أو يذكر هذا ، أي : ليس إليك مكافأتهم ومجازاتهم بما كان منهم ، إنما ذلك إلينا إن شئت غفرت لهم إذا رجعوا عنه ، وإن شئت عاقبتهم ؛ وهو كقوله تعالى :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ . . .
الآية [ آل عمران : 128 ] . وقوله :
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ .
وقال في آية أخرى :
وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ . فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 88 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم