تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
وعميا وإن كانت لهم هذه الجوارح في الحقيقة ؛ لما لم ينتفعوا بهذه الجوارح بالذي جعلت هذه الجوارح له وأنسيت فنفاها عنهم ؛ ليعلم أن المقصود ما يشاهده الجوارح والأنفس ، لا نفس هذه الجوارح والأنفس ولكن طلب ما غاب عنها وخفي ؛ إذ أنفسهم في الحقيقة كانت شهودا وحضورا ؛ سماهم : ميتة وأحياء وبصراء ، وسماهم موتى وعميا وما ذكر ؛ ليعلم أنها إنما جعلت ؛ ليكتسبوا بها الحياة الدائمة ، والبصر الدائم ، وما ذكر من كل شيء من السمع وغيره ، وكذلك هذه النعم التي جعلت ؛ في الدنيا جعلت ليكتسبوا بها النعم الدائمة ، فإذا لم يستعملوها فيما جعلت صاروا كما ذكر ، واللّه أعلم . وقال بعضهم :
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
، أي : عموا عنه . وقال بعضهم :
وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى
، أي : في الآخرة ، جزاء بما نسوه في الدنيا ؛ كقوله تعالى :
لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً . قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
[ طه : 125 ، 126 ] . وقيل : قوله :
يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
عبارة عن قلة أفهامهم ؛ يقال للرجل الذي لا يفهم : أنت تنادى من مكان بعيد ، واللّه أعلم . قوله تعالى :

[ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 45 إلى 48 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 45 ) مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ( 46 ) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ ( 47 ) وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ( 48 ) وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ .
كأنه يقول - واللّه أعلم - : إنا قد آتينا موسى الكتاب ما عرفوا أنه إنما نزل من عند اللّه تعالى ؛ حيث شاهدوا نزوله جملة ، ومع أنهم عرفوا ذلك ، اختلفوا فيه حتى كذبه بعضهم ؛ فعلى ذلك يقول واللّه أعلم - : لو أنزلنا القرآن عليك أعجميّا ، فأديته إليهم بلسانك العربي ، لكذبوك ، ولا يصدقونك ، وإن كان ذلك في الدلالة أكثر في الأعجوبة [ و ] أعظم على ما فعل قوم موسى بالكتاب الذي أنزل على موسى عليه السلام ، يذكر سفههم وتعنتهم . وقوله - عزّ وجل - :
وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ .
ظاهر هذه الآية على أن ما ذكر من المنة والرحمة في تأخير العذاب إنما هو لقوم
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 91 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم