تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 594

مساهمون:

ص٥٩٤
وذلك أنه كان من عادة العرب المعونة والنصرة لمن قاربهم في النسب أو القبيلة ، وإن كان ظالما ، ثم إن اللّه - سبحانه وتعالى - أرسل محمدا صلى اللّه عليه وسلم من بين أظهرهم من قريش ، فأظهروا معه من العداوة ما أظهروا حتى هموا بقتله ، وجعل محمدا صلى اللّه عليه وسلم حين أرسله حجة يظهر لليهود والنصارى وجميع أهل [ الكتاب ] ما ذكر في كتابهم من نعته وصفته ، فقابلوه بذلك ما قابلوا من سوء الصنيع وإظهار العداوة ، وكان هذا كله - واللّه أعلم - حجة وعلامة ، يعلم بها أن رسالته - عليه السلام - لم تظهر بمعاونة أحد ؛ بل بنصر اللّه وفضله وتأييده ، واللّه المستعان . وقوله - عزّ وجل - :
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ .
يحتمل أن يكون رهبة هؤلاء في صدورهم على التحقيق ، ويجوز أن تكون على التمثيل : فأما وجه التمثيل فهو ما قال :
وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ
[ التوبة : 56 ] ؛ فأخبر أنهم يعتذرون إليهم بالحلف ؛ فيجوز أن يكون معاملتهم هذه - التمثيل - معاملة من يرهبهم ؛ فسمى ذلك : رهبة في قلوبهم ، وهذا نحو قوله - تعالى - :
الَّذِي جَمَعَ مالًا وَعَدَّدَهُ . يَحْسَبُ أَنَّ مالَهُ أَخْلَدَهُ
[ الهمزة : 2 ، 3 ] ، يعني : جمع ماله جمع من يحسب أن ماله أخلده ؛ فكذلك الأول . ويجوز أن يكون على التحقيق ؛ ولذلك أوجه من التأويل : أحدها : أنهم كانوا يظهرون الموالاة لكل فريق ، وكان عندهم أن اللّه - تعالى - ولي أحد الفريقين لا محالة ، وإذا نجا أحد الفريقين نجوا هم أيضا ؛ فكأنهم على هذا التأويل كانوا يرهبون الخلق جميعا ، لا أن يختص به المؤمنون ، وكانوا لا يرهبون اللّه ؛ لأنهم أمنوا ناحيته من الوجه الذي وصفنا . ويجوز أن يكون رهبتهم من المؤمنين خاصة ، وذلك أن أهل النفاق إنما كانوا من أحد الصنفين : أما إذا كانوا دهرية فنافقوا إذا كانوا أهل كتاب ، وإن كانوا أهل كتاب فنافقوا « 1 » ، فإن كانوا دهرية فكانوا لا يرهبون اللّه - تعالى - لما كانوا غير مقرين بالصانع ، وإن كانوا أهل كتاب ، فإنهم قد أمنوا - أيضا - لما كانوا يصفون من قولهم :
نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
[ المائدة : 18 ] ، وإذا سقطت الرهبة من كلا الجانبين من اللّه - تعالى - حصلت الرهبة من المؤمنين خاصة ، واللّه أعلم . ويجوز أن يكون تفسير قوله - تعالى - :
لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ
في قوله :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ
، وذلك يحتمل وجهين :
هامش
( 1 ) كذا في أ .