تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 592

مساهمون:

ص٥٩٢
ثم الاستغفار في حال الحياة له معنيان : أحدهما : طلب السبب الذي إذا جاءه استوجب المغفرة . والثاني : حقيقة المغفرة . وفي حال الوفاة ليس إلا طلب عين المغفرة ، فلما ندب - جل وعلا - إلى الاستغفار لهم بعد وفاتهم ، وحال الاستغفار بعد الوفاة على ما وصفنا لا يتوجه إلا على حقيقة المغفرة - ثبت أن ذنوبهم لم تخرجهم ؛ لأنه لو كان من حكمه - جل ثناؤه - ألا تحل مغفرتهم إذا ارتكبوا كبيرة لم يكن في الأمر بالاستغفار لهم حكمة ، واللّه أعلم . وقال جعفر بن حرب : إنه ليس في قوله :
وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا
ما يدل على أنه يجعل في قلوبهم ؛ لأنه إذا قيل : لا تفعل بنا شيئا لم يفهم منه أنه يفعله إذا أحب ، ولكن يجاب عن هذا أنه قال تعالى نصا في آية أخرى ما يدل على جعل العداوة ؛ ألا ترى أنه قال :
فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
[ المائدة : 14 ] . فإن قال : تأويله : أنه خلى بينهم وبينها ، لا أنه جعلها . قلنا : غير محتمل أن يخلق اللّه - تعالى - العداوة في قلوبهم من غير فعل يكون منهم ، وإن كان كذلك ثبت أنه يخلق هذه الأشياء وقت فعل العبد لها ، واللّه أعلم . قوله تعالى :

[ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 11 إلى 17 ]

أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 11 ) لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ ( 12 ) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 13 ) لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 ) كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 15 ) كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 16 ) فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 17 ) وقوله - عزّ وجل - :
أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ .
هذه الآية تدل على أن اللّه - تعالى - جعل حجة رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم قول المنافقين في أنفسهم ؛ لأنهم قالوا هذا القول سرا منهم إلى أهل الكتاب ؛ لأنه لا يحتمل أن يظهروا مثل هذا القول بين يدي المؤمنين ؛ ولا كان الكفار يخبرون بهذا أحدا من المؤمنين ، فلما أخبر