تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
ذلك قراءة عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - وإذا كان كذلك فوجهه : أن الذي وجب صرفه إلى الأصناف التي ذكرنا إنما هو الخمس ، وأوجب - هاهنا - من كل الغنيمة ، فأبان بقوله :
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ
أنه إنما يصرف هذه الأربعة الأخماس إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم دونهم ؛ لهذا المعنى : أنهم لم يوجفوا عليه من خيل ولا ركاب ، أشار إلى أن استحقاقهم الأربعة الأخماس بسبب إيجاف الخيل والركاب ، واللّه أعلم . وإن كانت القراءة على ما يتلى للحال ، ليس على التقديم والتأخير ، فإنه يحتمل أن يكون قوله - تعالى - :
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ
صلة قوله :
يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ .
. . وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ
، وإذا كان بناؤه على ذلك ، استقام أن يذكر بحرف الواو وحرف الكناية . قال - رضي اللّه عنه - : إن المنافقين وأهل الضعف من المؤمنين الذي آمنوا بالتقليد يظنون في هذا الموضع أن كيف خص هذه الغنيمة قرابته والمهاجرين الذين هاجروا إليه ، وكيف آثر بها نفسه ؟ والجواب عن هذا : أن هؤلاء الأصناف قوم عامة المسلمين تحمل مئونتهم لولا هذه الغنيمة ، ومعلوم أن أنفس المسلمين ببذل ما عليهم من تلك الأمانة أسخى منه لو صرف إلى كل واحد منهم على الإشارة إليه من ملكه الخاص ، وعلى هذه العبارة تجري مسائل لنا : أحدها : ما روي عن عمر - رضي اللّه عنه - أنه جعل العقل على أهل الديوان ؛ لأن ذلك يخرج مخرج المعونة ، ومعلوم أن المعونة على عامتهم ؛ فبذل ما رجع من هذا الحق إلى تلك العامة أسهل عليهم لو صرف إلى خاصتهم ، وكذلك قوله :
وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا
[ الممتحنة : 11 ] ومعلوم أن منع تلك الزوجة عن أن تذهب إلى دار الحرب بشيء من مال زوجها كان واجبا على العامة ، وكذلك المسلمون إذا أصابوا غنيمة وفيها مال مسلم قد غلب عليه المشركون : أنه ما دام الملك للعامة ولم يقسم يرد عليه من غير بدل ، وإذا قسموا ، واختص كل واحد بملكه لم يأخذه إلا ببدل ؛ فكذلك الأول ، واللّه أعلم . قال الفقيه - رحمه اللّه - : والذي يجب من جهة العرف والشريعة : أن يكون تحمل مئونة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أمته : أما من جهة العرف فهو أن من عمل لغيره كان مئونته على ذلك القول له ، وكذلك من جهة الشريعة ، ومعلوم أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان يقوم بأمور أمته في أمور دنياهم وآخرتهم ، وإذا كان الأمر على ما ذكرنا كان أولى ما يجعل لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هو مال العامة ، وذلك هو الفيء ، هذا لو اختصه النبي صلى اللّه عليه وسلم لنفسه ؛ فكيف وقد قسمه بين