تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 531

مساهمون:

ص٥٣١
كل شيء يشهد على وحدانيته وألوهيته ، والإيمان برسله : هو أن يصدقهم فيما أخبروا عن اللّه تعالى ، وكل صاحب كبيرة مصدق بالذي ذكرنا ، فهو مؤمن ؛ وذلك على المعتزلة ؛ لقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ
؛ دلت الآية [ على ] أن ما يعطي من الثواب لعبيده فضل منه وإن سماه : جزاء ، وأجرا ؛ لأنه قد سبق منه إليهم من الإحسان والنعم ما يصير تلك الأفعال - وإن كثرت - شكرا لأدنى نعمه ، وإن طال عمره ، فأنى يستوجب الشكر والثواب على تلك الأعمال ثوابا وجزاء ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها
، أي : ذكرها في كتاب ، كان ذلك الكتاب قبل أن نبرأ المصائب ، أي : نخلقها ؛ إذ لا يحتمل كون أنفس تلك المصائب في الكتاب قبل خلقها ؛ فدل على كون ذكر المصائب فيه ، وهو كقوله :
وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ
[ الإسراء : 60 ] ، [ وليست الشجرة في القرآن ] ولكن ذكرها فيه من ذلك ما روي في الخبر أنه « نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو » « 1 » ، أي : نهى أن يسافر بالذي كتب فيه القرآن ، وإلا لم يكن عين القرآن في ذلك المصحف ؛ فعلى ذلك ما ذكر من المصائب ، وذلك يخرج على المجاز دون الحقيقة ، واللّه أعلم . ثم اختلف في قوله :
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها
: منهم من قال : من قبل أن نخلق تلك المصائب . ومنهم من قال « 2 » : من قبل أن نبرأ تلك الأنفس والأرض ؛ والأول [ أصح ] . وقوله :
إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
يخرج على وجهين : أي : كثرة ما يصيب الخلق في أنفسهم وأموالهم يسير على اللّه ، غير شديد عليه ، ليس كملوك الأرض ؛ لأن ما يصيب حشمهم وخدمهم من المصائب يشتد عليهم ؛ لما أن قوامهم بحشمهم وخدمهم ، ولهم منافع فيهم ، واللّه يتعالى بذاته ، ليس له في بقاء الخلق منفعة ، ولا في ذهابهم وفنائهم ضرر ، فذلك يكون عليه يسير . والثاني : أن كتابه لم يكن بعد ولم يخلق ، وعلمه قبل كونه على اللّه يسير هين ، يخبر أنه عالم في الأزل بكون الأشياء في أوقاتها ، لا يصعب عليه ، ولا يشتد العلم بها قبل
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 6 / 133 ) كتاب الجهاد : باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو ( 2990 ) ، ومسلم ( 3 / 1490 ) كتاب الإمارة : باب النهي أن يسافر بالمصحف إلى أرض الكفار ( 92 / 1869 ) ، وابن ماجة ( 4 / 388 ) كتاب الجهاد : باب النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ( 2879 ) . ( 2 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن جرير عنه ( 33657 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 531 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم