تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 533

مساهمون:

ص٥٣٣
آتاكم عن الشكر حتى تفوتكم الزيادة على ذلك ؛ لأن اللّه تعالى وعد الزيادة على النعمة إذا شكر بقوله :
لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
[ إبراهيم : 7 ] ، واللّه أعلم . والثالث : يقول : لا تأسوا على ما فاتكم ، ولكن انظروا إلى ما كان منكم من الجريمة حتى فاتكم ذلك ؛ حيث قال :
وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ
[ الشورى : 30 ] يقول : لا تأسوا على ما فاتكم ، ولكن انظروا إلى تفريطكم في جنب اللّه ، وارجعوا عن ذلك ؛ وكذلك يقول : لا تفرحوا بما آتاكم ، ولكن انظروا إلى إحسان اللّه الذي كان إليكم ، واللّه أعلم . ويحتمل : أن يقول :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
، ولكن انظروا إلى ما امتحنكم به وابتلاكم ؛ إذ هو امتحن بعضا بالشدائد والبلايا ، وأمرهم بالصبر على ذلك ، وبعضا بالسعة والرخاء ، وأمرهم بالشكر على ذلك ، فاصبروا ولا تجزعوا إن فاتكم النعم وأصابتكم المصائب ، واشكروا له ، ولا تفرحوا عند النعم فرحا يكون بطرا وأشرا . أو يقول : لا تأسوا على ما فاتكم ؛ فإن الذي أخذ من النعم لم يكن في الحقيقة لكم ، إنما هو لغيركم ، ومن كان عنده مال لآخر فأخذه لا يجب أن يحزن على ذلك ، ولا تفرحوا بما آتاكم ، فإن النعم التي آتاكم يجوز أن تكون لغيركم لا لكم ، واللّه أعلم . وقوله :
وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
قرئ ممدودا ومقصورا ، فمن مده ، رد الفعل إلى اللّه تعالى ، ومن قصره جعل الفعل لذلك الشيء ؛ لموافقة قوله :
عَلى ما فاتَكُمْ
، ولم يقل : أفاتكم . وقوله :
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
، ولكن يحب ضد ذلك وخلاف المختال المتكبر ، فيحب المتواضع الخاضع . والفخور هو الذي يفتخر بما أنعم اللّه عليه على الناس ، فيحب الذي يشكره على نعمه بالتوسيع على عباده . وجائز أن يكون هذا كله وصف الكفار ؛ كأنه يقول : لا يحب كل كفار ؛ كقوله :
صَبَّارٍ شَكُورٍ
[ إبراهيم : 5 ] ، أي : يحب المؤمن ؛ لأن المؤمن يكون صبارا على المصائب ، شكورا لنعمائه ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ
جائز أن يكون هذا صلة قوله :
لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
تفسيرا له . وجائز أن يكون على الابتداء ، وهو كقوله :
وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ