تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
وقوله :
وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ
، فهو للمؤمنين [ الذين ] اتخذوا الحياة الدنيا للآخرة ، وعقلوا الآيات التي بينها لهم ؛ للنظر فيها والتفكر والتأمل فيها ، ووضعوها مواضعها ، واللّه أعلم . وقوله :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
هو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله :
أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ .
قال الإمام الهندي - رضي اللّه عنه - في قوله :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
: إن الحياة الدنيا وحبها لنفسه وعلى ما أنشئت وجعلت له - حكمة وحق وسرور ليس بغرور ، وأما اختيارها وحبها لغيره واستعمالها لغير الذي أنشئت وجعلت - غرور ولعب ولهو ؛ لأن من أحب شيئا استكثر منه ، وحبسه لنفسه ، وحفظه من نقصه وضياعه ، واستبقاه لوقت حاجته ويوم فقره ؛ فعلى ذلك من جمع الدنيا لنفسه وأحبها واستعملها فيما أذن له ، وهو أن يجعلها زادا للآخرة وبلغة إليها ، فإذا علم ذلك استكثر منها عند اللّه ليوم فاقته ، فمن أحبها واختارها لهذا ، فليس بغرور ، ولا لعب ، بل سرور وبهجة ، ومن طلبها لغيره واستعملها في غير ما أنشئت ، كان غرورا ولعبا ، على ما ذكر في قوله :
وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ
على ما يختارون هم ويحبونها ؛ وذلك أن اللّه تعالى أنشأ لنا هذه النعم ؛ حيث قال :
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
[ البقرة : 29 ] ، وقال :
وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
[ الجاثية : 13 ] ، يجب أن ينظر إلى ذلك بالتعظيم لها والإجلال ، وليس الاستخفاف والهوان ؛ ألا ترى أن ملكا من ملوك الأرض لو أكرم أحدا بكرامة وأهداه بهدية ، ثم علم منه الاستخفاف بها ؛ فإنه يسلب منه هديته ويستحقره ؛ فعلى ذلك يجب أن نتلقى نعمة اللّه تعالى بالتعظيم والتبجيل والقبول الحسن ، لا على الاستخفاف بها والإهانة . ثم الناس بعد هذا رجلان : رجل يرغب في نعمة الدنيا وجمعها ، وجعلها عند اللّه ذخرا وزادا لوقت فقره وحاجته . ورجل زهد فيها ؛ خوفا [ من ] التقصير في عبادة اللّه تعالى في حقوقه أن يشتغل بها ، ويمنعه ذلك عن أداء حقوقه والاقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فيما أمره ، وله أسوة حسنة بنبيه صلى اللّه عليه وسلم . وأما من ترك الدنيا وما أنشأ اللّه تعالى فيها من النعم ؛ استخفافا بها وهوانا ، فهو الجاهل المستخف بنعم اللّه تعالى الغافل عما أنشئت له الدنيا [ وما ] فيها ، فهذا والذي