وقوله :
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ .
قد ذكرنا هذا أيضا .
وقوله :
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ .
كأنه كان يتوقع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم نزول ما وعد لهم ويخطر ذلك بباله ، ويطمع ذلك ، فنهاه عن توقع نزول العذاب الذي وعد للكفرة في الوقت الذي يطمع فيه ، وعن الخطر بباله النصر له وإهلاك أولئك في الوقت الذي يتوقع ، كأنه يقول : إن شئنا أريناك بعض الذي نعدهم ، وإن شئنا توفيناك ولم نرك شيئا ؛ وهو كقوله :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
[ آل عمران : 128 ] ، وإلا ظاهر قوله :
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
حرف شك لا يحتمل ذلك من اللّه تعالى ؛ إذ هو يعلم أنه يفعل ذا أو لا يفعل ، أو يكون ذا أو لا يكون ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا : أنه كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم يطمع نزول ما وعد ، ويحدث نفسه بذلك ، فيقول له : ليس ذلك إليك ، إنما ذلك إلينا على ما ذكرنا ، واللّه أعلم .
وعن ابن عباس - رضي اللّه عنه - أنه قال : « هذه الآية من المكتوم ؛ لأن ظاهره شك » .
وفي الآية دلالة الرسالة ؛ لأنها خرجت مخرج العتاب للنبي صلى اللّه عليه وسلّم والتوبيخ له ، ثم أظهر ذلك على الناس ، والسبيل في مثله في عرف الناس الإخفاء والإسرار عن الناس ؛ فدل أنه إنما أظهر عليهم للأمر بالتبليغ ، وكذلك في قوله - تعالى - :
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
[ آل عمران : 128 ] ؛ إذ المرء لا يظهر مثل ذلك من غير أمر وتكليف ممن وجب عليه طاعته ، واللّه الموفق .
وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ
يقول : لست أنت بأول رسول أرسلت إليهم فاستعبدوك وأنكروك وكذبوك ، بل قد أرسل إلى الأمم السالفة رسل مثل ما أرسلت أنت إلى هؤلاء .
وقوله :
مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ .
في الآية دلالة : أنا لم نؤخذ بمعرفة أعين الرسل وأساميهم على التعيين ، كما أنا لا نؤخذ بالإيمان بالله - تعالى - بجميع ما جاء منه على التفصيل والتعيين بأساميهم ؛ لكن على الجملة ، وعلى هذا قلنا : إن الإيمان برسول واحد إيمان بجميع الرسل ؛ إذ المرء