تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 56

مساهمون:

ص٥٦
أي : كانوا أكثر عددا منكم وأشد في القوة والبطش . وقوله :
وَآثاراً فِي الْأَرْضِ .
أي : أكثر أعمالا منكم ، ثم كانت عاقبتهم الهلاك والاستئصال . وقوله :
فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ .
يقول : لم يغن عنهم كثرة العدد والحشم والأموال ، ولا قوة الأبدان في دفع العذاب عن أنفسهم ، فأنتم - يا أهل مكة - أحق ألا تقدروا على دفع العذاب عن أنفسكم إذا نزل بكم مع ضعفكم وقلة عددكم ! واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ .
يحتمل قوله :
فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
وجهين : أحدهما : أي : فرحوا بما عندهم أنه علم وليس هو في الحقيقة علما ، لكن عندهم أن ذلك علم ؛ وهو كقوله :
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً
[ طه : 97 ] ، أي : انظر إلى إلهك الذي هو عندك إله ، وإلا لم يكن ذلك عند موسى - عليه السلام - إلها ، لكنه ذكر على ما عند ذلك الرجل للتعريف ؛ فعلى ذلك قوله :
فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
أي : بما عندهم أنه علم وإن لم يكن في الحقيقة علما ، واللّه أعلم . والثاني : يحتمل أن يكون على حقيقة العلم ، وذلك من أهل الكتاب ؛ قد كان من أهل الكتاب الإيمان بما عندهم من الكتاب ، وهو على الحقيقة علم لا شك فيه ، لكنهم لما كذبوا غيره من الكتب والعلوم وكفروا بها ، لم ينفعهم إيمانهم بما عندهم من العلم ؛ كقوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ . . .
[ البقرة : 91 ] ، كان إيمانهم بما أنزل إليهم حقّا ، لكنهم لما كفروا بغيره أبطل ذلك الكفر إيمانهم بالذي أنزل إليهم ؛ فعلى ذلك الأول ، واللّه أعلم . وقوله :
وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ .
أي : يحويهم العذاب بما كانوا يستهزءون بالرسل . وقوله :
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ
، يحتمل هذا وجهين : يحتمل أن يكون هذا القول منهم وما ذكر من الإيمان منهم إذا رأوا بأس اللّه - بعد وفاتهم في قبورهم ، أي : عذاب اللّه ، فإن كان التأويل هذا ، فهذا يدل على عذاب القبر لمن شاء اللّه تعالى في حقه العذاب ، واللّه أعلم . والثاني : يحتمل أن يكون ذلك منهم في حياتهم ؛ حين رأوا بأس اللّه في الدنيا آمنوا بما