تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 443

مساهمون:

ص٤٤٣
فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا . . .
الآية [ الحجر : 14 ، 15 ] . وقوله - عزّ وجل - :
وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
، اختلف فيه : منهم من قال :
سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
أي : ماض ، لم يزل الرسل - عليهم السلام - كانوا يأتون بمثله من السحر . ومنهم من قال :
مُسْتَمِرٌّ
أي : قوي ؛ مأخوذ من المرّة ، وهي القوة ، وأصل المرة : الفتل . ومنهم من قال « 1 » :
مُسْتَمِرٌّ
أي : ذاهب ؛ يذهب ويتلاشى ولا يبقى . وقوله - عزّ وجل - :
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
يحتمل كذبوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم وما أتى به من الآية على الرسالة . ويحتمل : وكذبوا بالتوحيد
وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ
يخبر أنهم إنما كذبوا ما ذكر باتباع أهوائهم ، لا بحجة وبرهان . وقوله - عزّ وجل - :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ . حِكْمَةٌ بالِغَةٌ
يحتمل قوله :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ
وجاءتهم - أيضا - حكمة بالغة ، وهي القرآن . ويحتمل أن يكون معناه :
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ
وفي تلك الأنباء حكمة بالغة . ثم الأنباء التي فيها مزدجر حكمة بالغة ، وهي ما ذكر في هذه السورة من أنباء عاد ، وثمود ، وقوم لوط ، وقوم نوح ، وموسى ، فقد جاءهم أنباء هؤلاء ، وعرفوا ما نزل بهم من العذاب والإهلاك ، وبأي شيء نزل بهم ، وهو تكذيب الرسل - عليهم السلام - ليرتدعوا عن مثل صنيعهم ، فلا يلحقهم مثل ما يلحق أولئك ، وفي ذلك حكمة بالغة ، والبالغة هي النهاية في الأمر ؛ يقال : فلان بالغ في العلم : إذ انتهى في ذلك نهايته . وقال القتبي : مزدجر : أمر متعظ . وقال أبو عوسجة : مزدجر : أي : زاجر . وقوله - عزّ وجل - :
فَما تُغْنِ النُّذُرُ .
يقول - واللّه أعلم - : قد جاءهم ما ذكر من الأنباء التي فيها مزدجر وإنذار ، فلم يزجرهم ذلك ، ولم ينفعهم ، فأنّى تغني النذر لهم ؟ ومن أين تنفعهم النذر ؟ أي : لا
هامش
( 1 ) قاله مجاهد ، أخرجه الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عنه ( 32720 ) كما في الدر المنثور ( 6 / 177 ) وهو قول قتادة أيضا .