تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ
، ويقولون : إن لفظ التجلي والكشف إنما يستعملان فيما هو كائن ثابت يظهر عند ارتفاع التواتر ، وما يخفيها إلا في الإنشاء ابتداء . ولكن عندنا : أن حرف الكشف والتجلي يستعمل في ابتداء الإحداث والإنشاء ، وفي إظهار ما كان كامنا خفيّا ، فإذا كان كذلك ، بطل استدلالهم بذلك ، وهو كقوله - تعالى - :
عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
[ الأنعام : 73 ] ، هو عالم بما كان خفيّا بحق الخلق وما هو شاهد ظاهر ، وعالم بما يكون وبما هو كائن للحال ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ
كانوا تعجّبوا من أمرين : أحدهما : من بعث الرسل ؛ كقوله - تعالى - :
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ
[ ق : 2 ] . ومن البعث بعد ما يفنون ويتلفون ؛ كقوله - تعالى -
وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَ إِذا كُنَّا تُراباً . . .
الآية [ الرعد : 5 ] . وقوله - عزّ وجل - :
وَتَضْحَكُونَ
الضحك - هاهنا - كناية عن الاستهزاء ، ليس على حقيقة الضحك . أو يكون الضحك كناية عن السرور ؛ أي : تسرون على ما أنتم عليه . وقوله - عزّ وجل - :
وَلا تَبْكُونَ
أيضا ليس على حقيقة البكاء ، ولكن كناية عن الحزن ، أي : ولا تحزنون على ما فرط منكم من الأعمال وسوء الصنيع والمعاملة . وقوله - عزّ وجل - :
وَأَنْتُمْ سامِدُونَ
، [ أي ] : لاهون ، معرضون . وعن الحسن « 1 » وسعيد بن جبير : سامدون : غافلون . وقيل : سامدون : حزنون على رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وغائظون على ما أنزل عليه . وعن عكرمة ، عن ابن عباس - رضي اللّه عنه - في قوله - تعالى -
وَأَنْتُمْ سامِدُونَ
قال : هو الغناء بلغة اليمن ؛ يقول اليماني : اسمد لنا : أي : غن لنا ؛ قال : كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا « 2 » . وقوله - عزّ وجل - :
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا
الآية ، أي : اخضعوا لله ، واستسلموا له ؛ إذ الأمر بالسجود عند التلاوة في غير سجود الصلاة ، أمر بالخشوع له والاستسلام ، والأمر بالسجود - هاهنا - للتلاوة ؛ للأحاديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ، رضوان
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير عنه ( 32669 ) . ( 2 ) أخرجه عبد الرزاق والفريابي وأبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبزار وابن جرير ( 32663 ) ، ( 32666 ) ، ( 32667 ) وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عنه ، كما في الدر المنثور ( 6 / 173 ) .