تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
ويحتمل : ففروا إليه في جميع حوائجكم ، ولا تطلبوا شيئا من ذلك من غيره ؛ فإنه هو القادر عليها حقيقة ؛ فيكون في الآية ترغيب في الرجوع إليه في الحوائج ، وقطع الطمع عن غيره ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
يحتمل وجوها : يحتمل : إني نذير لمن عبد دونه ، أو سمى دونه إلها ،
مُبِينٌ
آيات ألوهيته ووحدانيته . ويحتمل : إني لكم منه نذير مبين ؛ لما يقع لكم به النذارة والبشارة . وقال أبو بكر الأصم : إني لكم منه نذير مبين بما نزل بمكذبي الرسل بتكذيبهم . وقوله - عزّ وجل - :
وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ .
أي : لا تسموا مع ألوهية اللّه تعالى لأحد دون اللّه : ألوهية ، ولا تسموا دون اللّه : إلها . أو يقول : لا تعبدوا دون اللّه إلها آخر ؛ أي : معبودا آخر ؛ فإنه لا يستحق دون اللّه أحد للعبادة ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ
قد ذكرناه . وقوله - عزّ وجل - :
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
لم يذكر في هذا الموضع القول منهم : إنهم قالوا للرسول : إنك ساحر أو مجنون ، ولكن إن لم يكن مذكورا في ظاهره ، لكن ما ذكر أن أوائلهم كانوا يقولون لرسلهم ذلك - دلالة أنهم قد قالوا : إنه ساحر ، وإنه مجنون ؛ حيث قال :
كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ
يصبر رسوله صلى اللّه عليه وسلم على أذاهم بنسبتهم إياه إلى السحر والجنون ؛ كقوله تعالى :
فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ
[ الأحقاف : 35 ] وغير ذلك من الآيات التي فيها الأمر بالصبر على أذاهم ، واللّه أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - :
ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ .
قال أبو بكر الأصم : إنما قالوا : ساحر أو مجنون ؛ لأن السحر والجنون عندهم واحد ؛ كقول فرعون لموسى - عليه السلام - لما أتى به من الآيات :
إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً
[ الإسراء : 101 ] ؛ فلذلك قالوا مرة : ساحر ، ومجنون مرة . ولكن هذا فاسد ؛ فإنه لا يحتمل أن يكون الجنون والسحر عندهم واحدا ؛ لأن الساحر هو الذي بلغ في العلم في كل شيء غايته ، والمجنون هو الذي بلغ في الجهل غايته ، ونسبوهم إلى السحر ؛ لما أتى لهم من الآيات ما عجز الناس عن إتيان مثلها ، وقد عرفوا هم أنها آيات - أعني : رؤساءهم وأئمتهم - لكن قالوا : إنها سحر ؛ على إرادة التلبيس