تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
وأنهم دعوهم إلى التوحيد والإيمان ، لكنهم كذبوهم وكفروا بما دعوهم إليه ، فذلك نصره إياهم في الدنيا والآخرة ، واللّه أعلم . والثاني : ينصرهم ؛ لما يجعل لهم العواقب وآخر الأمر وإن كان في الابتداء قد يكون عليهم ، وعلى ذلك لم يذكر عن أحد من الرسل إلا وقد كان عاقبة الأمر له ؛ وهو كقوله - تعالى - :
وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
[ الأعراف : 128 ] ؛ فهذا النصر هو النصر في الأبدان والأول هو نصر في الدين ، ولكن إن كان هو نصرا في الأبدان فهو نصر يرجع إلى الدين ؛ لما يقوم الدين بسلامة الأبدان ، ويتحقق به عز المسلمين ، واللّه الموفق . والثالث : ذكر نصرهم ؛ لما أعطاهم من النعمة في الدنيا والسعة فيها ، وهو يذكر للرسل والمؤمنين نصرا ونعمة ومعونة ، أما هي للكفرة فتنة ومحنة لا غير لا تذكر باسم النصر والنعمة ؛ إذ هي في حق المسلمين وسيلة إلى النعمة الأبدية ، وفي حق الكفرة إلى العذاب الأبدي ، فتكون نعمة في حقهم حقيقة ؛ ولذلك قال تعالى :
ألم . أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ
[ العنكبوت : 1 ، 2 ] ، وقال :
بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ
[ الزمر : 49 ] ، وقوله :
نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ
[ المؤمنون : 56 ] ، وقد أخبر أن ما أعطاهم من الأموال والسعة إنما هي فتنة ومحنة لهم ، واللّه أعلم . فإن قيل : ذكر أنه ينصرهم ، وقد نرى مؤمنا قد ينقطع حججه ويعجز عن إقامتها ونراه مغلوبا ، والكافر هو الغالب ؟ ! قيل : عن هذا جوابان : أحدهما : من جعل العاقبة له والغلبة والنصر في آخر الأمر . والثاني : جائز أن يكون وعده النصر لهم والظفر بالحجة بالشريطة ، وهي القيام بوفاء ما لله عليهم من الحق في ذلك ، فالنصر والظفر بالحجة في المناظرة أن يكون يزجى عمره في معرفة الحجج والدلائل وأن يكون عارفا بطرق النظر ، ومتى كان هذا الشرط موجودا يكون النصر له لا محالة ، وشرط الظفر في المحاربة أن يكونوا قاصدين إعزاز دين اللّه تعالى ، دون ابتغاء الدنيا وكلمتهم واحدة ونحوها ، ومتى كان المحاربة بشرائطها يكون الظفر لا محالة للمسلمين ؛ وذلك كقوله تعالى :
وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ
[ البقرة : 40 ] ، واللّه أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ .
قال بعضهم « 1 » : الأشهاد : هم الملائكة يكتبون أعمال بني آدم ، يشهدون عليهم بما
هامش
( 1 ) قاله مجاهد أخرجه ابن جرير ( 30377 ) ، وأبو الشيخ كما في الدر المنثور ( 5 / 660 ) ، وهو قول قتادة والأعمش أيضا .