تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
وقوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ
يحتمل وجوها : أحدها : أي : شبههم في التوراة والإنجيل الآحاد والأفراد منهم المختارون من بين غيرهم الذين يعظمونهم الأتباع والملوك ويحلونهم ، فما بالكم لا تعظمون أنتم هؤلاء ولا تتبعونهم كأولئك ، واللّه أعلم . والثاني : يحتمل :
ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ
أي : ذلك نعتهم ووصفهم في التوراة والإنجيل ؛ أي : على ذلك نعتوا ووصفوا في التوراة والإنجيل ، وقد عرفتم ذلك ، فهلا اتبعتموهم إذا نعتوا ووصفوا في القرآن . وقال بعضهم : قوله :
ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ
مقطوع مقصود ، وهو ما تقدم من قوله :
وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ . . .
إلى قوله :
مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
، ثم ابتدأ فقال :
وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ . . .
الآية ، وهذا يحتمل ووجه حسن ، وعلى التأويلين الأولين ما ذكرنا من وصفهم ، كأنه في التوراة والإنجيل جميعا ، ثم نعتهم - أيضا - بقوله - تعالى - :
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ
، واللّه أعلم . ثم ذكر نعت أصحابه - رضي اللّه عنهم - في هذه الآية ، ولم يذكر نعت رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وإنما ذكر نعته في آية أخرى ، وهو قوله - تعالى - :
النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ . . .
الآية [ الأعراف : 157 ] ، ذكر نعته وصفته في الآية صلى اللّه عليه وسلم ونعت أصحابه - رضي اللّه عنهم - في هذه السورة ، واللّه أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - :
ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ . . .
الآية دلالة الرسالة ؛ لأنه أخبر أن نعتهم في الكتب المتقدمة كما ذكر في القرآن ، ثم لم يقل أحد من أهل الكتب المتقدمة : أن ليس ذلك نعتهم أو شبههم في تلك الكتب ، ثبت أنه بالله عرف ، ولا قوة إلا بالله . ثم قوله - عزّ وجل - :
كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ . . .
الآية ، شبههم بالزرع الذي ذكر - واللّه أعلم - لأنهم أحيوا سنن الدين وشرائعه التي كانت من قبل بعد ما درست ، وانقطع أثرها ؛ لأنه لم يكن فيما بين عيسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام - رسول فقد انقرض ذلك واندرس ، ثم جاء محمد - عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات - بعد دروس ذلك وانقراضه كالزرع الذي يخرج وحده ، وهو النبت الواحد في أول ما يخرج ، فأعانه أصحابه وآزروه كانوا إليه كالخلفة التي تنبت حول الساق تؤازر الخلفة والنبت ، فأما
شَطْأَهُ
فقيل : هو محمد صلى اللّه عليه وسلم خرج وحده كما خرج أول النبت وحده ، وأما الوالية التي تنبت حول الشطأة فاجتمعت ، فهم المؤمنون كانوا في
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 319 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم