تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 276

مساهمون:

ص٢٧٦
فيها . وهو يخرج عندنا على وجوه : أحدها : يحتمل هذا لظن قوم وتوهمهم أن اللّه - تعالى - يجهل عواقب الأمور ؛ حيث أنشأ هذا العالم ، فجحدوه وجحدوا نعمه ، فلا يحتمل أن ينشئهم ، ويجعل لهم النعم وهو يعلم أنهم يجحدون وينكرون نعمه ؛ لأن من فعل هذا في الشاهد فهو عابث غير حكيم ، فعلى ذلك هذا ، على زعمهم ، فقال - تعالى - جوابا لهم :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ
أي : على علم بما يكون منهم أنشأهم وخلقهم ، لا عن جهل على ما ظنوا هم ، لكن ما ينبغي لهم أن ينسبوا الجهل إلى اللّه - تعالى - لجهلهم بحق الحكمة في فعله ؛ لأن اللّه - جل وعلا - لم ينشئ هذا العالم لحاجة له ، أو لمنافع نفسه ؛ بل إنما أنشأه لمنافع أنفسهم ، ولحاجتهم ، فإليهم ترجع منفعة الإجابة والطاعة ، وعليهم تكون مضرة الجحود والرد ، فأما في الشاهد فمن يأمر أحدا أو ينهاه عن أمر أو أرسل إليه رسولا على علم منه بالرد والجحود فهو سفيه غير حكيم ؛ لأنه إنما يفعل ما يفعل لحاجة نفسه ولمنفعة له ، فإذا علم منه الرد والإنكار فهو غير حكيم ، فافترق الشاهد والغائب ؛ لافتراق وجه الحكمة ، واللّه الموفق . والثاني : قوله - تعالى - :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ
أي : يعلم جميع أحوالكم من حركاتكم ، وسكونكم ، وجميع تقلبكم ؛ لتكونوا أبدا على حذر ويقظة ، واللّه أعلم . والثالث :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ
أي : يعلم متقلبكم في الدنيا ، ويعلم إلى ما ذا يكون مرجعكم في الآخرة ؛ أي : أنشأ كلا على ما علم أنه يكون منهم ؛ كقوله - تعالى - :
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ
[ الأعراف : 179 ] ، وقال في آية أخرى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] أي : أنشأ من علم أنه يختار الكفر وعداوته لجهنم ، وأنشأ من علم أنه يختار التوحيد وولايته للجنة ، واللّه الموفق . وقوله - عزّ وجل - :
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ
إن الذين آمنوا كانوا يتمنون إنزال السورة ، ويقولون : هلا نزلت سورة ؛ لوجوه : أحدها : لتكون السورة حجة لهم ، وآية على أعدائهم في الرسالة والبعث والتوحيد . والثاني : كانوا يستفيدون بإنزال السورة أشياء ويزداد لهم يقين وتحقق في الدين ؛ كقوله - تعالى - :
وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ . . .
إلى قوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
[ التوبة : 124 ] وأما المنافقون
فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ