بيني وبينهم قضاء ، أي : اقض عليهم بالعذاب والهلاك ، ألا ترى أنه قال :
وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
؛ فدل سؤاله نجاة نفسه ومن معه من المؤمنين على أن قوله :
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً
سأل ربه هلاك من كذبه ، وهو ما قال في قصة أخرى :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
[ الأعراف : 89 ] الذي وعدت أنه ينزل بهم ، وهو العذاب ، فعلى ذلك هذا .
ثم لا يحتمل أن يكون هذا منه في أول تكذيب كان منهم ، بل كان ذلك بعد ما أيس من إيمانهم ؛ لأنه لبث فيهم ما قال الله تعالى ألف سنة إلا خمسين عاما ، وفي كل ذلك دعاهم إلى توحيد الله ، وإنما دعا عليهم بالهلاك بعد ما أخبره الله تعالى عن أمرهم وأيأسه عن إيمانهم ، فقال :
لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ
، وأذن له بالدعاء عليهم بما دعا ؛ إذ الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يدعون على قومهم بالهلاك إلا بإذن من الله في ذلك ؛ ألا ترى أنه ذكر عتاب يونس بالخروج من بينهم بلا إذن كان من الله له بالخروج من بينهم ، فإذا عوتب هو بالخروج بلا إذن فلا يحتمل أن يدعو بالهلاك بلا إذن ، والله أعلم .
وقوله :
فَأَنْجَيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ
: قيل : المملوء « 1 » .
قال أبو معاذ : والعرب تقول : شحنت السفينة فلم يبق إلا الدفع : وهو السوق ، وتقول العرب : شحنا عليهم بلادهم خيلا ورجالا ، أي : ملأناها .
وقال بعضهم : المشحون : المجهز الذي قد فرغ منه فلم يبق إلا دفعه ؛ وهو واحد .
وإنما شحنت بأصناف من الخلق وإلا كان المؤمنون قليلي العدد ، وهو ما قال فيها :
مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
[ هود : 40 ] ، أخبر أنه أنجى من كان معه في الفلك المشحون ، وأهلك الباقين .
وقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
أي : في نبأ نوح الآية لمن كان بعدهم .
أو إن في هلاك قوم نوح وإغراقهم لعبرة لمن بعدهم .
وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . . .
إلى آخر القصة قد ذكرناه .
قوله تعالى :
[ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 123 إلى 140 ]
كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَ لا تَتَّقُونَ ( 124 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 125 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 126 ) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 127 )
أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ( 128 ) وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ( 129 ) وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ( 130 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ( 131 ) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ ( 132 )
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وَبَنِينَ ( 133 ) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 134 ) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 135 ) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ ( 136 ) إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الْأَوَّلِينَ ( 137 )
وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 138 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 140 )
هامش
( 1 ) قاله مجاهد ، أخرجه ابن جرير ( 26685 ) ، والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم ، كما في الدر المنثور ( 5 / 169 ) .