تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 680

مساهمون:

ص٦٨٠
سلما لله ، خالصا له ، وبين من لم يفعل ذلك - لكان في ذلك استواء بين من ذكر ، وفي الحكمة أن لا استواء بينهما ، وقد يموت السالم نفسه لله ، ويموت الآخر دل أنّ في ذلك بعثا ، يثاب هذا ، ويعاقب الآخر ، والله [ أعلم ] . أو أن يذكر هذا ؛ لما كانوا يتشاءمون برسول الله صلى اللّه عليه وسلم ويتطيرون فيما يصيبهم من المصائب والشدائد ، حتى قال - عزّ وجل - :
أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ
[ الأنبياء : 34 ] أي : لا يخلدون ، فعلى ذلك يقول - عزّ وجل - :
إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ
أيضا ، أي : لا يبقون بعد موتك أبدا ، ولكنهم يموتون ، ولو كان ما يصيبهم بك أنت على ما يزعمون ، فيجئ ألا يصيبهم بعد موتك ؛ نحو هذا يحتمل ، والله أعلم . أو أن يقول : إنك ميت فتصل إلى ما وعد لك من الكرامات والثواب ، ويموتون هم فيصلون إلى ما أوعدوا من المواعيد والعقوبات ، والله أعلم . ثم قوله - عزّ وجل - :
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ
روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال : كنا لا نعلم ما يفسر هذه الآية ، وكنا نقول : من يخاصم ؟ فلما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول الله ، حتى كفح « 1 » بعضنا وجوه بعض بالسيوف ، فعرفت أنها نزلت فينا . وذكر عن الزبير : لما نزلت هذه الآية ، فقال : يا رسول الله ، أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا ، فقال : ( نعم ) ، فقال : إن الأمر إذن لشديد « 2 » . وروي عن بعض الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - لما نزلت هذه الآية أنهم قالوا : كيف نختصم ونحن إخوان ؟ ! فلما قتل عثمان ظلما وعدوانا ، علموا أنها لهم وفيهم « 3 » ، والله أعلم . ثم خصومتهم هذه يوم القيامة تحتمل وجهين : أحدهما : في المظالم [ أو ] في الحقوق التي كانت لبعض على بعض ، أو في الدين ، أو في أمر الدنيا « 4 » .
هامش
( 1 ) يقال : تكافح المقاتلون : أي تضاربوا وجها لوجه . ينظر : المعجم الوسيط ( كفح ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 30138 ) ، والترمذي ( 3236 ) ، وعبد الرزاق وأحمد ، وابن منيع وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في البعث كما في الدر المنثور ( 5 / 614 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 30140 ) ، وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن عساكر كما في الدر المنثور ( 5 / 613 ) . ( 4 ) في أ : الدين .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 680 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم