تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 629

مساهمون:

ص٦٢٩
أو أن يكون قوله - عزّ وجل - :
عاصِفَةً
على أعداء الله رخاء لينة على أوليائه ، والله أعلم . ثم فيما ذكر من جرية الريح بأمره حيث أراد وقصد ، لطف الله - عزّ وجل - بسليمان حين جعله بحيث تفهم الريح مراده ويفهم هو منها ما أرادت حتى كان يستعملها فيما شاء ، وكذلك ما فهم من نطق الطير وكلامه وكلام النمل الذي ذكر وتفهم هي منه ، فذلك كله لطف منه به ورحمة . وقوله - عزّ وجل - :
وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ
. أي : سخرنا له الشياطين حتى يستعملهم فيما شاء : بعضهم في البناء ، وبعضهم في الغوص في البحر لاستخراج ما فيه من الأموال ؛ ليتفرغ الناس لعبادة الله والخدمة لا يكون لهم شغل في البنيان ولا في مئونة أنفسهم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ
. وآخرين لم يطيعوه فيما أمرهم من الأعمال في البناء والغوص وغير ذلك من الأعمال جعلهم في الأصفاد - وهي الأغلال تجعل في الأعناق - ليدفع شرهم وسوءهم عن الخلق حيث لم يطيعوه فيما أمرهم بالعمل للخلق ليتفرغوا للعبادة ، وهو ما ذكرنا من آية عجيبة لسليمان - عليه السلام - واللطف له حيث مكن له من استعمال ما ذكر من الجن والشياطين والريح وسخر له ذلك ؛ ليعلم أنه إنما قدر على ذلك بلطف منه لا بالحيل والأسباب . وقوله - عزّ وجل - :
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
. قال عامة أهل التأويل « 1 » : هذا في الشياطين التي ذكر أنه سخرها له في العمل ، وآخرين في جعله إياهم في الأصفاد ، خيره بين أن يمن على من شاء منهم فيخلي سبيله ، وبين أن يمسك من شاء منهم فلا يخلي سبيله . وقال بعضهم « 2 » : ذلك التخيير في الشياطين وفي جميع ما أعطاه له من الملك يقول : إن شئت تمن فتعطيه من شئت ، وإن شئت أمسكت فلا تعط أحدا شيئا ، ولا تبعة عليك في ذلك الإعطاء ولا في الإمساك ، والله أعلم . وجائز أن يكون لا على التخيير ، ولكن امتحن بالإعطاء لقوم والمنع عن قوم ، فيقول :
هامش
( 1 ) قاله السدي وغيره أخرجه ابن جرير ( 29938 ) . ( 2 ) قاله الحسن أخرجه ابن جرير ( 29933 ) ، وعبد بن حميد كما في الدر المنثور ( 5 / 588 ) ، وهو قول الضحاك وعكرمة ومجاهد .