تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 630

مساهمون:

ص٦٣٠
هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ
أي : أعط وابذل لمن أمرت وامتحنت بالإعطاء من كان أهلا لذلك ، وأمسك عمن ليس هو بأهل لذلك ومن لم تؤمر بدفعه إليه ؛ وهو كقوله - عزّ وجل - :
إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
[ الكهف : 86 ] أن ليس على التخيير ، ولكن على تعذيب من هو أهل للعذاب مستحق له ، واتخاذ الحسن فيمن كان أهلا على ما بين في ذلك وأظهر في الآية حيث قال - عزّ وجل - :
أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ . . .
الآية [ الكهف : 87 ] ،
وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى
[ الكهف : 88 ] ، فعلى ذلك يحتمل الأول ، والله أعلم . وقال الحسن : قوله - عزّ وجل - :
عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ
يقول : هذا ملكنا الذي أعطيناك يقول : أعط منه ما شئت وامنع منه ما شئت ، لا تبعة عليك فيه في الآخرة « 1 » ، وهو قريب مما ذكرنا في أحد التأويلين . وقال قتادة : احبس منهم في وثاقك هذا وعذابك وسرح منهم من شئت لا حساب عليك في ذلك ، وهو قريب « 2 » مما ذكرنا في أحد التأويلين : رجع أحدهما إلى الشياطين خاصة في الحبس في العمل من شاء والتسريح لمن شاء منهم ، والآخر إلى كل ما أعطاه من الملك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
بِغَيْرِ حِسابٍ
. أي : أعطى له من الملك ما لا يحسب من الكثرة والعدد . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى
. أي : القربة ،
وَحُسْنَ مَآبٍ
أي : مرجع ، هذا يدل على أن ما أعطاه من الملك لم يحطه عن مرتبته ولا نقص من قدره عند الله ؛ لأنه إنما سأله الملك - والله أعلم - لما ذكرنا من رغبته في نجاة الخلق ؛ لسرعة إجابتهم إياه إلى ما يدعوهم إليه ، لا رغبة منه في الدنيا ولذاتها وطلب العز فيها ، ولكن لما ذكرنا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى
. أي : الأسباب التي تزلفه إلى الله وتقربه من التوفيق والعصمة والمعونة على الطاعة ، وذلك يكون في الدنيا والأول يكون في الآخرة ، والله أعلم . وهذا من أعظم المنن واللطف حيث أمنه عن جميع أنواع التبعات ، يغفر له بغير حساب ويستر له بالزلفى وحسن المرجع ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) تقدم . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 29937 ) ، وعبد بن حميد كما في الدر المنثور ( 5 / 588 ) .