تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 578

مساهمون:

ص٥٧٨
الهجرة . وقال بعضهم « 1 » :
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ،
أي : بلغ بحيث يعمل ويمتحن عندنا . قال له :
يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى
. وترى بالنصب والرفع جميعا - فيه دلالة أن رؤيا الأنبياء والرسل - عليهم السلام - على حق تخرج كالأمر المصرح ؛ ألا ترى أنه لما قال له :
إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم قال له ولده :
افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
ولو لم يكن أمرا لم يقل :
افْعَلْ ما تُؤْمَرُ
، ولا قال له إبراهيم :
إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ
، وقد عرف حرمة ذبح بني آدم وقتلهم الذي لا يسع الإقدام عليه ، والله أعلم . ثم [ في ] قوله لأبيه :
افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ
دلالة أن لا كل مأمور بأمر من الله شاء الله أن يفعل ما أمره ؛ حيث أخبر [ أنه ] سيجده من الصابرين إن شاء الله ، وقد ذكرنا أن إبراهيم - عليه السلام - كان مأمورا بالذبح ، فإذا أمر هو بالذبح أمر هذا أن يصبر على الذبح ولا يجزع ، ثم أخبر أنه يصبر إن شاء الله دل أن لا كل مأمور لله بأمر شاء منه أن يفعل ذلك ، ولكن شاء أن يفعل ذلك ممن علم منه أنه يختار ذلك الفعل ويفعله ، ومن علم منه أنه لا يفعل ذلك لا يجوز أن يشاء منه ذلك الفعل ؛ وكذلك قول موسى - عليه السلام - :
سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً
[ الكهف : 69 ] ، وهذا على المعتزلة لقولهم : إن الله تعالى إذا أمر أحدا بأمر شاء أن يفعل ما أمره به ، لكنه تركه لما لم يشأ هو ، والله أعلم . وقد بينا فساد قولهم في غير موضع ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
. يحتمل قوله :
أَسْلَما
أي : استسلما لأمر الله فيما أمرهما : هذا بالذبح ، وهذا بالبذل والطاعة في ذلك . أو أسلم هذا ابنه وهذا نفسه لله - عزّ وجل - وأصله : أسلما أنفسهما لأمر الله وإطاعته في ذلك . وقوله :
وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
، أي : صرعه ، وكبه على وجهه ، فيه أنه لم يضجعه كما يضجع المرء ما يريد أن يذبحه من الشياه وغيرها ، ولكنه أضجعه على وجهه ، فهو - والله أعلم - لما أراد أن ينفذ أمر الله ويقدر على أداء ما أمر به ، فلعله لو أضجعه على ما يضجع غيره من الذبح نظر كل واحد منهما إلى وجه الآخر ، فيرحمه هذا بترك ذبحه وهذا ينظر في
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 29469 ) ، وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 527 ) ، وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم .