تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
وقال بعضهم : سيهديني لدينه وذلك أول ما هاجر من الخلق ، أي : ليعلم دينه ، وقد ذكر في حرف حفصة : إني مهاجر إلى ربي سيهدين ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
. كأنه قال : رب هب لي غلاما واجعله من الصالحين ، دليل ذلك ما ذكر له من البشارة بالغلام ، فدلت البشارة له بالغلام على أثر ذلك [ على أن ] سؤاله كان سؤال الغلام . ثم فيه دليل جواز سؤال الولد الذكر ربّه ، لكنه يسأله بشرط الصلاح والطيب كما سأل الأنبياء وسأله إبراهيم - عليه السلام - :
رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ
، وقال زكريا - عليه السلام - :
هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
[ آل عمران : 38 ] ، وما ذكر وحكي عنهم مدحا لهم وثناء عليهم حيث قال - عزّ وجل - :
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً
[ الفرقان : 74 ] يجب على من يسأل ربه الولد أن يسأله على هذه الشرائط التي سألته الأنبياء - عليهم السلام - فيكون سؤالهم الولد على ذلك سؤالا لله - عزّ وجل - وما يصلح لقيامه لأمره وعبادته ، فأما أن يسأله إياه لذة لنفسه وسرورا له في الدنيا فلا . ثم يحتمل قوله :
رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ . . .
[ الفرقان : 74 ] إلى آخر ما ذكر وجهين : أحدهما : أي : هب لنا من أزواجنا وذريتنا ما تقر به أعيننا . أو هب لنا من أزواجنا من الولد والذرية ما تقر به أعيننا على ما سأل زكريا - عليه السلام - حيث قال :
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
[ آل عمران : 38 ] . ثم فيه دلالة أن الولد هبة الله لهم وعطاء لهم ؛ ولذلك قال :
ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
[ آل عمران : 38 ] ،
يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ
[ الشورى : 49 ] ، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم - والله أعلم - نعني : ما صار الولد هبة من الله . وقوله :
فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ
. يصير حليما إذا بلغ مبلغ الامتحان بالأعمال والأمر والنهي ، أي : بشرناه بغلام حليم يحلم فيما امتحن إذا بلغ مبلغا يمتحن فيه ، قال قتادة : « إن الله - عزّ وجل - لم يذكر أحدا ولا وصفه بالحلم سوى إبراهيم وولده الذي بشر به » « 1 » ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ
. أي : بلغ بحيث يقدر أن يسعى معه إلى حيث أمر هو أن يسعى ويمشي معه وهي
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 29468 ) وذكره السيوطي في الدر المنثور ( 5 / 527 ) ، وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن أبي حاتم .