تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَ إِنَّا لَمَدِينُونَ
، أي : لمحاسبون
قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ
، كأنه قال لأصحابه : هل أنتم مطلعون في النار لننظر ما حاله ؟ ثم أخبر أنه اطلع
فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ
« 1 » ذكر اطلاعه ، ولم يذكر اطلاع أصحابه ؛ فجائز أن يكون أخبر عن اطلاع كل واحد منهم في نفسه : أنه اطلع
فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ
، أي : وسط الجحيم ، وإن كانوا جميعا مطلعين إليه فيها ؛ كقوله - عزّ وجل - :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ
[ الانشقاق : 6 ] ، و
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ
[ الانفطار : 6 ] ، وإن كان خاطب إنسانا فإنما خاطب به كل إنسان في نفسه ؛ فعلى ذلك جائز أن يكون قوله - عزّ وجل - :
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ
إنما أخبر عن اطلاع كل منهم - والله أعلم - وكانوا جميعا مطلعين . ثم في الآية شيئان عجيبان : أحدهما : ما ذكر من اطلاع أهل الجنة على أهل النار أنها تكون قريبة من الجنة حتى ينظر بعضهم إلى بعض فيرون . أو تكون بعيدة منها ، إلا أن إبصار أهل الجنة يكون أبعد وأبصر مما يكون في الدنيا ، فجائز أن يجعل الله - عزّ وجل - أبصار أهل الآخرة أبصر وأحد ؛ حتى لا يحجبه ولا يمنعه بعد المسافة والمكان عن النظر والرؤية ، والله أعلم . والثاني : أن كيف يعرفه في النار مما يحرقه ويفني وجهه ولونه وجميع أعلامه وسيماه ، لكن جائز أن يكون الله - عزّ وجل - يعرفه بأعلام تجعل له ؛ فيعرفه بتلك الأعلام ، وذلك على الله - عزّ وجل - يسير هين . وأهل التأويل يقولون : يجعل الله - عزّ وجل - لأهل الجنة كوى منها إذا أرادوا أن ينظر أحدهم إلى من في النار ، فتح الله له كوة ينظر إلى من شاء من مقعده إلى النار ، فيزداد بذلك شكرا ، وهو قوله :
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ
، أي : في وسط الجحيم ؛ كقوله : - عزّ وجل - :
سَواءَ السَّبِيلِ
[ المائدة : 12 ] ، أي : وسطه . فقال :
تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ
، أي : هممت لتغوين ، وكذلك في حرف ابن مسعود : [ مكان ] لتردين : لتغوين . وقال الكسائي : تالله ، وبالله ، وو الله ، والله - بغير واو - لغات . يخبر أن بالله يكون على الأسف مرجعهما إلى سفاه يقول : لولا أن الله أنعم على الهدى ، ولولا أن الله رحمني فهداني ؛ المعنى واحد . يقول له : اترك دينك واتبعني ، وقال :
لَتُرْدِينِ
أي : لتهلكني ، يقال : رديت فلانا ، أي : أهلكته ، والردى : الموت
هامش
( 1 ) قاله عطاء الخراساني بنحوه أخرجه عبد الرزاق وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور ( 5 / 518 ) .