مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ »
« 1 » .
أو أن يكون على إيجاب البعث أن من كذب الرسل ومن صدقهم ومن عمل ما يحمد عليه وما يذم ، قد استووا جميعا في هذه الدنيا ، فلا بد من دار أخرى يميز بينهما ، بين المصدّق وبين المكذب ، وبين المحمود والمذموم ، يؤيد ذلك قوله :
وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ
، وقوله :
لَدَيْنا
و
عِنْدَنا *
ونحوه من الظروف خصها بذلك الاسم وإن كانوا في جميع الأوقات كذلك ؛ لما ذكرنا أن المقصود من إنشاء هذه تلك ومن هذا العالم الفاني ذلك العالم الباقي ؛ إذ لو لم يكن تلك ولا ذلك العالم الباقي ، لم يكن إنشاء هذه حكمة ؛ لأنه يحصل الإنشاء والخلق على الإفناء خاصة وإحداث الشيء للإفناء خاصة لا لعاقبة تقصد عبث باطل .
قوله تعالى :
[ سورة يس ( 36 ) : الآيات 33 إلى 36 ]
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ ( 33 ) وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ ( 34 ) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ ( 35 ) سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ ( 36 )
وقوله :
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها
.
جائز أن يكون قوله :
وَآيَةٌ لَهُمُ
أي : آية البعث لهم ما رأوا الأرض ميتة في وقت يابسة لا نبات فيها ولا شيء ، ثم رأوها حيّة مخضرة متزينة بأنواع النبات ، متلونة بألوان الخارج منها ، فيخبر أنّ من قدر على هذا لقادر على إحياء الموتى بعد ما بليت أجسادهم وصاروا رمادا ، وأن من قدر على هذا لا يعجزه شيء ، ولا يصعب عليه شيء ، فهذه آية ظاهرة على البعث مشاهدة محسوسة .
وفيه آية يحتاج إلى أن تستخرج منها بالحكمة وهو ما ذكر
وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ
: أنه لما أخرج من الأرض حبّا ، وجعل غذاءهم فيه من غير أن يستوجبوا ذلك منه ؛ دل أنه إنما جعل ذلك ؛ ليمتحنهم بأنواع المحن على علم منه أنّ منهم من يشكر ومنهم من يكفر ، وقد سوى بينهم في هذه بين الكافر منهم وبين الشاكر ، فلا بد من دار أخرى فيها يقع التمييز بينهم : الثواب للشاكر ، والعقاب للكافر ؛ إذ في الحكمة التفريق لا الجمع ، وعلى ذلك ما ذكر من جعل الجنان لهم والنخيل والأعناب وتفجير العيون وغيره ، وذكر في آخره :
أَ فَلا يَشْكُرُونَ
رب هذه النعم كلها .
هامش
( 1 ) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر كما في الدر المنثور ( 5 / 493 ) .