تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
الله - وبلغه إلى دار السلام . وقال بعضهم : المستقيم ، أي : استقام بالحق والعدل والصدق ، لا زيغ فيه ، ولا جور ، ولا عدول ، ولا اعوجاج . ويحتمل أن يكون ذلك وصف النبوة والرسالة التي تقدم ذكرها . ويحتمل وصف الدين ، وذلك عامة قول أهل التأويل ، والله أعلم . وقوله :
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
. أي : ذلك القرآن الذي أقسم به
تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ
، أي : من عنده نزل وأحكم ، سمّى نفسه : عزيزا رحيما عظيما لطيفا ظاهرا باطنا أولا آخرا ، وفي الشاهد من وصف بالعزّ لا يوصف بالرحمة ، ومن وصف بالعظم لا يوصف باللطافة ، ومن وصف بالظاهر لا يوصف بأنه باطن ، ومن وصف بالأول لا يوصف بالآخر ؛ ليعلم أن المعنى الذي وصف به الخلق غير الذي وصف به الربّ - تبارك وتعالى - لأن من وصف من الخلق بواحد مما ذكرنا لم يستحق الوصف بالآخر ، [ فدل ] أن ما وصف به الرب - تبارك وتعالى - غير ما يوصف به الخلق ، تعالى الله علوّا كبيرا . وقوله :
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ
، اختلف فيه : قال بعضهم :
لِتُنْذِرَ قَوْماً
مثل الذي أنذر آباؤهم من الآيات التي أقامها ، فلم يقبلوها
فَهُمْ غافِلُونَ
أميون . وقال بعضهم :
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ
، أي : لتنذر قوما أميين لم ينذر آباؤهم ، يقول قائل : لم تكن النذارة للأميين من قبل ، كأنه يقول : لتنذر قوما أميين لم ينذر آباؤهم الأميون من قبل ؛ وكذلك قال :
لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
[ غافر : 42 ] ؛ وهو كقوله :
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ
[ السجدة : 3 ] ، وقوله :
وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ
[ سبأ : 44 ] ، أي : لم نرسل إليهم قبلك نذيرا ، وأصله : أنه يخبر أنه لا ينجع في هؤلاء النذارة كما لم ينجع في آبائهم ، بل هم غافلون . ثم الإنذار يحتمل أن يكون بالنار في الآخرة والتعذيب بها ، ويحتمل الآيات التي أقامها في الدنيا والقتل فيها ، والله أعلم . وقوله :
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ
. قيل : هو قوله لإبليس حيث قال :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ
[ ص : 85 ] و
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
[ السجدة : 13 ] ، أي : حق ذلك القول ووجب . ثم يحتمل ذلك في الذي ذكره بعض أهل التأويل : أن نفرا هموا برسول الله قتله وأذاه ،