تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 486

مساهمون:

ص٤٨٦
أو أن يكون قوله :
يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ
أي : يتبعون كتاب الله فيما فيه مما لهم ومما عليهم ، يتبعون كله من الإقدام على الحلال والاجتناب على الحرام ، والمشفقون بكتاب الله هم الذين اتبعوا ما فيه من إقامة الصلاة وإنفاق ما رزقوا ، فأما من تلا ولم يتبع ما فيه فكأنه لم يتل ، وهو كما نفى عنهم هذه الحواس من البصر والسمع واللسان وغيره ؛ لتركهم الانتفاع بها وإن كانت لهم تلك الحواس حقيقة ، وأثبتها للمؤمن لما انتفع بها وإن لم تكن له تلك حقيقة ؛ فعلى ذلك يحتمل الأول ، والله أعلم « 1 » . وقوله :
وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً
. يحتمل قوله :
سِرًّا وَعَلانِيَةً
في كل حال وكل وقت لا يتركون الإنفاق على كل حال ؛ كقوله :
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ . الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ
[ آل عمران : 133 ، 134 ] ، أي : ينفقون على كل حال . ويحتمل : فلينفقوا مما رزقناهم
سِرًّا وَعَلانِيَةً
، أي : يتصدقون الصدقة ظاهرا وباطنا ، أي : ما ظهر للناس وعلموا به ، وما خفي عنهم واستتر ؛ لما قصدوا بها وجه الله لا مراءاة الخلق ، فمن كان قصده بالخيرات وجه الله لا مراءاة الخلق ، فعلمهم به وجهلهم سواء ، لا يمتنع عن ذلك أبدا ، والله أعلم . وقوله :
يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ
. سمى ما يبذل العبد لله : تجارة ، وإن كان ذلك له في الحقيقة لطفا منه وإحسانا ، وكذلك ما ذكر من إيفاء الأجر لهم على أعمالهم حيث قال :
لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ
، وذلك ليس في الحقيقة أجرا لما يستوجبون الأجر قبله بتلك الأعمال ؛ لما عليهم من الشكر فيما أنعم عليهم من أنواع النعم ، ومتى يفرغون عن شكر ما أنعم عليهم حتى يكون ذلك أجرا لهم ، لكنه - عزّ وجل - بفضله وإنعامه وعد لهم الثواب والأجر على حسناتهم وأعمالهم الصالحات ؛ إفضالا منه وإنعاما منه ، وسمى ذلك : تجارة كأن ليس ذلك له في الحقيقة ؛ ترغيبا منه الخلق في ذلك وتحريضا لهم على ذلك ، والله أعلم .
وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ
على ذلك أيضا . وقوله :
إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ
. يحتمل قوله :
غَفُورٌ
أي : ستور لمساويهم ،
شَكُورٌ
أي : مظهر لحسناتهم بإدخاله إياهم الجنة ؛ ليعلم أحد أنه كان محسنا لا مسيئا . أو
غَفُورٌ
: يتجاوز عن مساوئهم ،
شَكُورٌ
: يقبل اليسير من العمل القليل منهم
هامش
( 1 ) ثبت في حاشية أ : فعلى هذا التأويل : يدخل تحت الآية من يعمل بالكتاب وإن لم يقرأه بلسانه ، وعلى الوجه الأول : لا يدخل ما لم يقرأه بلسانه ، شرح .