تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
قد ذكرنا في غير موضع فائدة تخصيص ذكر المصير إليه والمرجع إليه في ذلك اليوم ، وإن كانوا صائرين إليه في كل وقت . وقوله :
وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ
. ضرب هذا المثل يخرج على وجوه : أحدها : شبه الأصنام التي كانوا يعبدونها بالأعمى والظلمة والميتة والحرور حقيقة ؛ لأنها كذلك عميان موتى لا نور فيها ؛ يقول : والله إنكم تعلمون أن الذين تعبدون من دون الله عميان لا بصر لهم ولا نور ولا حياة ولا شيء من ذلك ، وأن الله هو البصير ، ومنه يكون كل خير ونفع ، فكيف اخترتم عبادة من هذا سبيله على عبادة الله تعالى ؟ ! وبالله الهداية والعصمة . والثاني : شبه أولئك الكفرة بالعميان والظلمة والموت وما ذكر ، والمؤمن بالبصير والنور والظل والحياة ، ليس على إرادة حقيقة البصر والحياة وما ذكر ؛ لأن لهم بصرا يبصرون وهم أحياء فيقولون : نحن البصراء والأحياء ، وأنتم العميان والأموات ، وما ذكر ، لكن شبههم بالعميان والموتى ؛ لأنه لا حجة لهم ولا برهان على عبادتهم الأصنام ، وهم يعلمون أنه لا حجة لهم ولا برهان على ذلك من كتاب أو رسول أو نحوه ، إنما هو هوى يهوون ذلك ، وللمؤمنين في عبادتهم الله حجة وبرهان ، فمن كان له حجة في عبادته فهو بصير حيّ نور ، ومن ليس له ذلك فهو أعمى ميت . والثالث : يذكر هذا دلالة على البعث ؛ لأنهم يعلمون أن الخلق ليس كلهم على حدّ واحد وحالة واحدة ، بل فيهم العميان والبصراء وفيهم الأحياء والأموات وفيهم ما ذكر ، وقد استووا جميعا في منافع هذه الدنيا ، وفي الحكمة التفريق بينهم لا الجمع ، فلا بدّ من دار أخرى سوى هذه يفرق بينهم ؛ إذ في الحكمة والعقل التفريق لا الجمع ، والله أعلم . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
. دل قوله :
إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ
على أن قوله :
وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ
إنما أراد به الكافر ، ثم أخبر أن رسوله لا يسمع لما لا يقدر على ذلك ، وليس عنده ذلك ؛ إذ لو كان بيانا مبينا أو دعاء على ما يقوله المعتزلة ، لكان يسمع ويبين ويقدر على ذلك ، فإذ لم يقدر رسول الله على ذلك دل أن عند الله لطفا وشيئا لم يعطهم ، فإذا أعطاهم ذلك اهتدوا وآمنوا ؛ وكذلك هذا في قوله :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
[ القصص : 56 ] ، ولو
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 481 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم