تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
قيل : شهيدا على تبليغ الرسالة . وقوله :
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ
. معناه - والله أعلم - : ما كان محمد صلى اللّه عليه وسلم أبا أحد أبوة تحرم بها حلائل الأبناء ، وإلا كان هو أبا لجميع المؤمنين ؛ حيث قال :
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ
[ الأحزاب : 6 ] إذا كانت أزواجه أمهاتنا ؛ فهو أب لنا على ما ذكرنا . لكن التأويل فيه :
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ
أبوة تحرم بها حلائل الأبناء ؛ ولكن أبوة التعظيم له والتبجيل ، وأبوة الشفقة والرحمة ، وهو ما قال :
لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ . . .
الآية [ الحجرات : 2 ] . وكذلك قوله :
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ
[ الأحزاب : 6 ] يحتمل وجهين : أولى أن يعظم ويكرم ويشرف من [ غيره ] ، كقوله :
وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ
[ الفتح : 9 ] . والثاني :
أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ
، أي : أشفق عليهم وأرحم بهم من أنفسهم ، وهو ما وصفه - جل وعلا - من رحمته ورأفته ؛ حيث قال :
عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ
[ التوبة : 128 ] . وقوله :
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ
يخرج على وجهين : أحدهما : في حق الانتساب إليه ، أي : ليس هو أبا أحدكم ينسب إليه ويدعى به ؛ لأنه ذكر أنهم يدعونه ويسمونه : زيد بن محمد ، أنه يجوز التبني ولا يجوز إليه النسبة ولا التسمية به ؛ كقوله :
ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
[ الأحزاب : 5 ] . والثاني : في حق الحرمة ؛ كأنه قال : ليس هو أبا أحدكم في حرمة حلائل الأبناء عليه لا بالتبني ، ولا في حق النسبة ، وإن كان هو أبا لكم في الشفقة والرحمة والرأفة ، على ما ذكرنا بدءا ولكن رسول الله ما ذكرنا في التعظيم له والتبجيل في المعاملة والمصاحبة ، أو في الدعوة به والتسمية . وقوله :
وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ
. أخبر ليس بأبي أحد من رجالكم ، على ما ذكرنا ، ولكن رسول الله ؛ لئلا يعاملوا رسوله معاملة آبائهم ، ولا يصاحبوه صحبة غيره ؛ ولكن يعاملوه معاملة الرسل في التعظيم له والتبجيل والإكرام ؛ لأن أبوته وشفقته دينية ، وشفقة الآباء شفقة دنياوية ، ولأن الرجل قد يتبسط مع والده في أشياء لا يسع مثله مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولذا قال :
وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ
، أي : ختم به الرسالة لا نبي بعده .