تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
الصدق أكثره إنما ينفع في الإنباء والإخبار ، كقوله :
وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ
[ الزمر : 33 ] : وهو ما أخبرهم وأنبأهم من القرآن وغيره . وقال في آية أخرى :
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلًا
[ الأنعام : 115 ] صدقا في نبئه ، وعدلا في حكمه ، ثم صدقه في النبأ ، وعدله في الحكم ، سمّي القرآن : مرة صدقا ، ومرة عدلا ، ومرة حقّا ، فالحق يجمع الأمرين : النبأ والحكم جميعا ، والصدق يكون في النبأ خاصة ، والحكم في العدل . ثم يحتمل سؤاله الصادقين ، وهم الرسل ، عن صدقهم وجهين : أحدهما : يسألهم عن تبليغ ما أمرهم بالتبليغ إلى قومهم ، وعن إنباء ما ولاهم الإنباء أن نبئوا أولئك : هل بلغتم وهل أنبأتم أولئك ؟ والثاني : يسألهم عن إجابة أولئك لهم : هل أجابوكم إلى ما دعوتم ؟ لأن منهم من أجابهم وصدقهم ، ومنهم من لم يجب ولم يصدّق ؛ فيخرج السؤال عمن أجاب على التقرير ، ومن لم يجب على التنبيه والتوبيخ ، وهو يسأل الفريقين جميعا : الرسل عن التبليغ ، والمرسل إليهم : عن الإجابة ؛ كقوله :
فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ
[ الأعراف : 6 ] والله أعلم . قوله تعالى :

[ سورة الأحزاب ( 33 ) : الآيات 9 إلى 11 ]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً ( 9 ) إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ( 10 ) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً ( 11 ) اشكروا ما أنعم الله عليكم وأحسنوا صحبة نعمه في النصر لكم والدفع عنكم ، ثم الأمر في تذكير ما أنعم عليهم وجوه من الحكمة والدلالة : أحدها : تذكير لنا في مقاساة أولئك السلف من أصحابه في الدين ، وعظيم ما امتحنوا في أمر الدين ، حتى بلغوا الدين إلينا ؛ لكيلا نضيعه نحن ، بل يلزمنا أن نحفظه ونتمسك به ، ونتحمل فيه ، كما تحمل أولئك . والثاني : فيه آية لهم وذلك أنهم كانوا جميعا هم وأعداؤهم ، فجاءتهم الريح والملائكة فأهلكتهم دون المؤمنين ، وقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « نصرت بالصّبا ، وأهلك عاد بالدّبور » « 1 » ، وذلك آية عظيمة .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 2 / 520 ) ، كتاب الاستسقاء : باب قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 1035 ) ، ومسلم ( 2 / 617 ) ، كتاب صلاة الاستسقاء : باب في ريح الصبا والدبور ( 17 / 900 ) .