تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
أو أن يكون ما ذكر : ألا تغتروا بالحياة الدنيا وما فيها من لذاتها ، والله أعلم . وقوله :
وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
. قيل « 1 » : الغرور : الشيطان ، لا يغرنكم ، ويقول : إن الله كريم رحيم جواد ولا يعذبكم . أو يقول : إن الله غني قادر لا يأمركم بأمر ولا ينهاكم ؛ إذ إنما يأمر وينهى في الشاهد من كان محتاجا ، فأما الغني فلا يأمر ، أو نحوه ، والله أعلم . وقوله :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ
. ذكر في بعض الأخبار عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله » « 2 » ، وعدّ هذه الخمسة التي ذكرت في هذه الآية . وكذلك روي أبو هريرة عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « خمس لا يعلمهن إلا الله ؛ [ ثم تلا ] قوله :
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
« 3 » إلى آخر الآية » . فإن ثبت هذا فهو ما ذكر ، ويرجع ذلك إلى معرفة حقيقة ما ذكر ؛ وإلا جائز أن يقال : إنه يعلم بعض هذه الأشياء بأعلام ؛ من نحو المطر أنه متى يمطر ، أو ما في الأرحام : أنه ولد وأنه ذكر أو أنثى ، وإن لم يعلم ماهية ما في الأرحام ؛ نحو ما يعلم المنجمة بذلك بالحساب وبأعلام ، يخرج ذلك على الصدق مما أخبروا ربما ؛ ألا ترى أن إبراهيم - صلوات الله عليه - قال :
إِنِّي سَقِيمٌ
[ الصافات : 89 ] لما نظر في النجوم ، أي : سأسقم . وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قال : إني ألقي إلى أن ذا بطن بنت خارجة جارية ، وكان كما ذكر ؛ فلا يحتمل أبو بكر يعلم ذلك لما ألقي إليه ، ورسول الله لا يعلم الساعة ؛ فإنه لا يطلع عليها أحد ، إلا أن يقال بأن رسول الله لم يؤذن له بالتكلم والقول بشيء إلا من جهة الوحي من السماء ، فأما الاشتغال بمثله فلا ؛ لأن الاشتغال بمثله تضييع لكثير مما امتحن ، وترك لبعض ما يؤمر وينهى ، أو لما يخرج ذلك مخرج التطير والتفاؤل واكتساب الرزق على غير الجهة التي جعل وأبيح لهم ؛ فكان المنع لذلك ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) قاله ابن عباس ، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم عنه ، كما في الدر المنثور ( 5 / 325 ) ، وهو قول مجاهد وقتادة والضحاك . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3 / 220 ) ، كتاب الاستسقاء : باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله ( 1039 ) ، وأحمد ( 2 / 24 ، 58 ) ، وعبد بن حميد ( 791 ) ، والبغوي في شرح السنة ( 2 / 661 ) ، وابن جرير ( 28178 ) . ( 3 ) أخرجه البخاري ( 9 / 466 ) كتاب التفسير : باب قوله :إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ( 4777 ) ، ومسلم ( 1 / 39 ) ، كتاب الإيمان : باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ( 5 / 9 ) ، وابن جرير ( 28182 ) .