جعل في خلقة كل واحد شهادة الوحدانية لله والدلالة ، يقول : لا تكونوا من المشركين في ذلك ، والله أعلم .
قوله تعالى :
[ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 33 إلى 39 ]
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 33 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 34 ) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ( 35 ) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ( 36 ) أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 37 )
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 38 ) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 )
وقوله :
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ
.
قال قائلون : منيبين : مخلصين ؛ كقوله :
دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[ يونس : 22 ] .
وقال قائلون : مطيعين .
وقال قائلون : موحدين .
وأصل الإنابة : الرجوع ، أي : راجعين إليه عما كانوا فيه من الشرك ؛ فالإنابة هي التوحيد ، وإن كان الإنابة الإخلاص ، فهو رجوع عن الإشراك في العبادة ، وإن كان عن العصيان فهو الطاعة ، وأصله : الرجوع عما كانوا فيه ؛ ففيه وجوه من الاحتجاج على أولئك ، وتنبيه وعظة للمؤمنين .
أما الاحتجاج عليهم : فإنه معلوم ؛ لأنهم كانوا لا يركبون السفن والبحار مع المؤمنين ، ولكن كانوا يركبون بأنفسهم ، ثم أخبر عما أخلصوا له والدعاء له والتضرع ، دل أنه بالله عرف ذلك ؛ فذلك يدل على رسالته .
والثاني : فيه دلالة أنهم قد عرفوا وحدانية الله وألوهيته ؛ حيث فزعوا عند الشدائد والبلايا إلى الله ، وأخلصوا له الدين ، ثبت أنهم قد عرفوا سفه أنفسهم في عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة الله ، تعالى .
والثالث : تصديقا لقوله
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
[ الأنعام : 28 ] ؛ لأنهم كانوا يسألون الرد إلى الدنيا ليؤمنوا به ؛ كقولهم :
يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا
[ الأنعام :
27 ] ، فأخبر أنهم يعودون إلى ما كانوا ؛ كما عادوا إذا كشف عنهم الضر .
وأما العظة والتنبيه للمؤمنين : فهو أن يكونوا في الأحوال كلها على حال واحد في حال