تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 241

مساهمون:

ص٢٤١
في ضيق بمكة من إظهار الإيمان بها فإن أرض المدينة واسعة فإياي فاعبدون بها علانية ، ثم خوف بالموت ؛ ليهاجروا ، فقال :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ
في الآخرة ، ثم نعتهم فقال : الذين صبروا على الهجرة وبالله يثقون في هجرتهم ، وذلك أن أحدهم كان يقول بمكة : كيف أهاجر إلى المدينة وليس لي بها مال ولا معيشة ، فوعظهم بما ذكر . وقوله :
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ
من الناس من يجعل الآية صلة قوله :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ
أنهم أمروا بالهجرة من بلدتهم والخروج من مقامهم ؛ ليسلم لهم دينهم ؛ فاشتد ذلك عليهم ، وضاق بذلك ذرعهم ؛ لضيق العيش هناك لما لم يتهيأ لهم ولا يتأدى لهم حمل أموالهم ، والمكاسب التي بها يتعيشون في بلدهم ويتسعون بها ، فأخبر أن له خلائق يرزقهم حيثما توجهوا وحيثما كانوا لا يحملون معهم شيئا من الرزق ؛ بل يرزقهم حيثما كانوا ابتداء ؛ فعلى ذلك هو يرزقكم حيثما كنتم حملتم مع أنفسكم شيئا من الأموال والمكاسب أو لم تحملوا ، فلا يضيقن صدركم بترككم الأموال والمكاسب في بلدكم . وجائز أن يكون لا على الصلة بما تقدم ، ولكن على ابتداء تذكير وتنبيه للبشر وبغير سبب ؛ إذ قد يرزق ويبسط من ليس له من الأسباب شيء نحو ما ذكر من رزقه الطير والدواب ، وغير ذلك من البشر الذين يرزقون بلا أسباب ومكاسب ؛ ولذلك ذكر - والله أعلم - على إثر ذلك
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ
يبسط لمن يشاء وإن لم يكن له سبب ويقدر على من يشاء ، وإن كان معه سبب ؛ لئلا يعلقوا قلوبهم في الرزق في الأسباب والمكاسب . وعلى قول المعتزلة : إن الله لا يقدر أن يبسط الرزق لمن يشاء ؛ لأنهم لا يجعلون لله في الأسباب والمكاسب صنعا ، وإنما يجعلون منه خلق أصول الأشياء من الإنبات والإخراج من الأرض ، وأما غير ذلك فهو كله للخلق على قولهم ، فذلك النبات والخارج منها للكل ليس بعضهم بذلك أولى من بعض ، فتذهب فائدة ما ذكر من البسط والتوسيع والتقتير على قولهم . وقوله :
وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
على إثر ما ذكر يخرج على وجوه : أحدها : المجيب لكل ما يدعون ويسألون ، العليم بحوائجهم ؛ حيث كانوا وأين كانوا . أو السميع لقولهم : إنا لا نجد ما ننفق ونتعيش ، العليم بما أضمروا ونحوه . قوله تعالى :

[ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 61 إلى 64 ]

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 61 ) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 62 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 63 ) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 64 )