تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
أرض فأخرجوا منها إلى أخرى فاعبدوني ولا تعبدوا غيري ؛ فإن أرضي واسعة ؛ فلا عذر لكم بالمقام في أرض تمنعون فيها عن عبادتي وإظهار ديني ، إلا المستضعفين الذين استثناهم في آية أخرى ؛ حيث قال :
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
[ النساء : 98 ] عذرهم بما فيهم من الضعف لترك الخروج والمقام بين أظهرهم ، وكتمان الإيمان والعبادة له سرّا ، وإن لم يقدروا على إظهاره ، فأما من كانت له حيلة الخروج فلم يعذره . وقوله :
كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
ذكر هذا - والله أعلم - على إثر ما ذكر ؛ لئلا يمنعهم عن الخروج والهجرة خوف ضيق العيش ؛ يقول - والله أعلم - : كل نفس تذوق الموت إذا استوفت رزقها لا محالة ، ولا تذوق قبل استيفائها رزقها ؛ فلا يمنعكم خوف ضيق العيش فإنها تذوق ذلك لا محالة ، خرجت أو لم تخرج إذا استوفت رزقها ، وهو ما قال :
قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ
[ آل عمران : 154 ] أي : لو كان المكتوب عليه القتل يبرز لا محالة حتى يقتل ؛ فعلى ذلك المكتوب عليه الموت يذوقه لا محالة ، [ خرج ] أو أقام ، والله أعلم
ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ
. وقوله :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ
أي : لنهيئنهم
مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً
يقال : بوأ : أنزل وهيأ ، و « لنثوينهم » من الثواء ، وهو الإقامة . وقال القتبي « 1 » : هو من ثويت بالمقام : إذا أقمت به ، وبالباء
لَنُبَوِّئَنَّهُمْ
: أي : لننزلنهم . وقال أبو عوسجة : أي : لننزلنهم منها منزلا يقيمون فيه ، والثواء : الإقامة . وقال أبو معاذ : بوأها : هيأها ، والمثوى : المنزل ، والثاوي : المضيف
خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
أي : ثوابهم وجزاؤهم . وقوله :
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
يحتمل قوله :
الَّذِينَ صَبَرُوا
أي : خرجوا ، وهاجروا ، وصبروا على الهجرة ، وعلى ربهم توكلوا في الخروج والرزق ، والذين صبروا على الطاعات وأداء الفرائض . أو أن يكون الصبر كناية وعبارة عن الإيمان ؛ أي : الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون وبه يثقون ويفوضون ؛ كقوله :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ *
أي : لكل مؤمن . ومحمد بن إسحاق يقول : أنزلت الآية بمكة في ضعفاء مسلمي مكة ؛ يقول : إن كنتم
هامش
( 1 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 338 ) .