تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
تجادلوهم ؛ فإنكم وإن جادلتم إياهم فلا يؤمنون ، وهو كقوله :
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي
[ البقرة : 150 ] قوله :
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ
ليس على الثنيا من الأول ، ولكن ابتداء نهي ؛ أي : لا تخشوهم واخشوني ، فعلى ذلك يحتمل الأول مثله . والثالث : جائز أن يكون قوله :
وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ . . .
إلى آخر ما ذكر : هي المجادلة الحسنة التي أمروا بها ؛ لأن تلك مما يقبلها العقل والطبع ، وبها جاءت الكتب والرسل ؛ فلا سبيل إلى ردّ ذلك . وقال بعضهم :
وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
أي : جادلوا الذين يصدّقون منهم ولا يكتمون نعت محمد وما في كتبهم من الحق ، فأمّا الذين تعلمون أنهم يكتمون ولا يصدّقون فلا تجادلوهم ، وهو كقوله :
فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ
[ النحل : 43 ] والأوّل كقوله :
تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ . . .
الآية [ آل عمران : 64 ] ، والمجادلة الحسنة هي التي جاء بها الكتاب ويوجبها العقل . ثم فيه دلالة جواز المناظرة والمجادلة مع الكفرة في الدين ، وكذلك - قوله تعالى - :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] ليس كما يقول بعض الناس : إنه لا يجوز معهم المناظرة ، وذلك لجهلهم بحجج الإسلام وبراهينه ؛ [ على ] ما ينهون عن المجادلة والمناظرة معهم . وقال بعضهم « 1 » : من لا عهد معهم فجادلهم بالسيوف ، ومن كان معه عهد وكتاب فجادلهم بالحجج . وقال بعضهم « 2 » : هو منسوخ بقوله :
قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . .
الآية [ التوبة : 29 ] . ومنهم من يقول : من أدّى إليكم الجزية فلا تغلظوا له القول وقولا لهم قولا حسنا ، ومن لم يؤدّ فاغلظوا لهم وجادلوهم بالسيوف ، والله أعلم . وقوله :
وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ
أي : كما أخبرناك في الكتاب ، فقل لهم ، أو جادلهم . وقوله :
فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ
يخرج على وجهين : أحدهما : الذين آتيناهم الكتاب فيتلونه حق تلاوته ، فهم يؤمنون به ؛ على ما ذكرنا في آية أخرى :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ
[ البقرة : 121 ] فتكون
هامش
( 1 ) قاله سعيد بن جبير ، أخرجه ابن جرير عنه ( 27820 ) . ( 2 ) قاله قتادة ، أخرجه ابن جرير ( 27822 ) .