تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
واهتدى ، لكنه لم يعطه لما ذكرنا . وفيه لطف آخر : وهو أن فرعون والقبط كانوا يقتلون الولدان من الذكور ؛ ليصير الذي يخاف هلاكه وذهاب ملكه على يديه مقتولا ، فجعل الله بلطفه ورحمته محبته في قلب فرعون وقلوب أهله ، حتى صار أحب الخلق إليهم ، وصاروا هم أشفق الناس وأرحمهم عليه ، حتى خافوا هلاكه وطلبوا له المراضع ؛ لئلا يهلك بعد ما كانوا يطلبون هلاكه وتلفه ، وذلك لطف منه له ورحمة ، وهو ما قال :
وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي
[ طه : 39 ] ، وبالله يستفاد كل فضل ونعمة . وقوله :
فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ
. قوله :
فَقالَتْ
أي : أخته التي كانت تتبعه وتمشي على أثره ، وذلك منها تعريض بالدلالة لهم إلى أمّه ؛ لئلا يشعروا أنها أمّه حيث قالت :
أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ
، ولم تقل : على امرأة لها لبن وهي ترضع ، ولعلها لو قالت لهم ذلك وقع عندهم أنها أمه ، ولكن دلتهم إلى بيت ليقع عندهم أنهم أهل بيت قتل ولدهم ولهم ولد يكفلونه لكم ، أي : يقبلونه ويضمونه إلى أنفسهم .
وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ
: يحتمل قولهم :
وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ
أي : لفرعون لا يخونونه فيه . ويحتمل
وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ
لموسى . وقوله :
فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها
، بالمقام معه والكون عندها ،
وَلا تَحْزَنَ
: على فراقه . أو أن يقال :
كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ
، أي : تسرّ بردّه إليها ، وذلك معروف في النساء ظاهر أنهن يحزن بمفارقة أولادهن ويهممن لذلك ، ويسررن إذا جعلوا إليهن واجتمعوا . وقوله :
وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
: كانت تعلم هي - والله أعلم - أن وعد الله حق كائن لا محالة ، لكن علم خبر لا علم عيان ومشاهدة ؛ كأنه قال : لتعلم علم عيان ومشاهدة ما علمت علم خبر ؛ لأن علم العيان والمشاهدة أكبر وأبلغ وأتقى للشبهة من علم الإخبار ؛ ألا ترى أن إبراهيم سأل ربه أن يريه إحياء الموتى ، وإن كان يعلم حقيقة أنه يحيي الموتى ، وأنه قادر على ذلك ، لكنه كان يعلمه علم خبر فأحبّ أن يعلمه علم عيان ومشاهدة ؛ لأنه أكبر وأبلغ وأدفع للوساوس من علم الإخبار ؟ ! فعلى ذلك هذا . وقوله :
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
: والمعتزلة فيهم ؛ لأنه أخبر أنه يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين ؛ حيث قال :
لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ
[ الأعراف : 18 ] ، وهم يقولون : أراد ألّا يملأ جهنم ؛ لأنهم يقولون : إنه أراد إيمان كل الناس جميعا وشاء ذلك لهم فلم يؤمنوا ، فعلى
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 153 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم