تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
على تنبيه أولئك ، والزجر لهم عما هم فيه ، أي : انظر ما ينزل بهم لجحود الآيات وعنادهم فيها على ما نزل بأوائلهم ، والله أعلم . قوله تعالى :

[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 15 إلى 19 ]

وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ( 15 ) وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ وَقالَ يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ ( 16 ) وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 17 ) حَتَّى إِذا أَتَوْا عَلى وادِ النَّمْلِ قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 18 ) فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً مِنْ قَوْلِها وَقالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبادِكَ الصَّالِحِينَ ( 19 ) وقوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً وَقالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا عَلى كَثِيرٍ مِنْ عِبادِهِ الْمُؤْمِنِينَ
: فيه وجهان من الاستدلال : أحدهما : في خلق أفعال العباد . والثاني : في ترك الأصلح . أمّا الاستدلال على خلق الأفعال : لأنه قال :
آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً
، وقال على أثره :
عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ
، وقال في رسول الله
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ
[ يس : 69 ] ، وقال :
الرَّحْمنُ . عَلَّمَ الْقُرْآنَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ . عَلَّمَهُ الْبَيانَ
[ الرحمن : 1 - 4 ] ، ونحوه من الآيات فيما أضاف التعليم والفعل إلى نفسه ، فلو لم يكن له في ذلك صنع لم يكن لإضافة ذلك إليه معنى ؛ فدل أنه خلق أفعالهم منهم . فإن قيل : إنما أضاف ذلك إلى نفسه بالأسباب التي أعطاهم . قيل : لا يحتمل ذلك ؛ لأنه قد أعطى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم جميع أسباب الشعر ، ولم يكن غيره من الشعراء أحق بأسباب الشعر من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ثم أخبر أنه لم يعلمه الشعر ؛ دل أنه لم يرد به الأسباب ، ولكن أراد ما ذكرنا . وأما في ترك الأصلح : فهو ما ذكر من قوله :
وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً
، وقال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ
، أنه إنما ذكر هذا على الامتنان والإفضال ، فلو كان لا يجوز له ألّا يعطيه ذلك ، ولا كان له ترك ما فعل بهم من الإفضال - لم يكن لذكر ذلك له على الإفضال والامتنان معنى ، ولا كان داود وسليمان يحمدانه على ما أعطاهما ، ولا كان هو يستوجب الحمد بذلك ؛ إذ فعل ما عليه أن يفعل ؛ دل أنه إنما أعطى ذلك لهم وفعل بهم ذلك على جهة الإفضال والامتنان ، وكان له ترك ما فعل ، وإن كان ذلك ليس أصلح في الدين . فهذان الوجهان ينقضان على المعتزلة مذهبهم