تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
وقوله - عزّ وجل - :
وَاسْتَفْزِزْ
: قال القتبي « 1 » ، أي : استخف ، والرجل : الرجالة . وقال أبو عوسجة « 2 » :
وَاسْتَفْزِزْ
، أي : استخف ، أي : دعاه فأجابه وأمره فأطاعه ؛ وعلى هذا يخرج قوله :
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ
[ الزخرف : 54 ] ، أي : أمرهم فأطاعوه ، أو دعاهم فأجابوه . وقوله - عزّ وجلّ - :
بِصَوْتِكَ
. يحتمل وجوها ثلاثة : أحدها : على حقيقة الصوت ، يكون له صوت يدعو الناس به ، فيسمع ذلك الصوت النفس الخفية التي تكون في هذه النفس الظاهرة الكثيفة ، ولا تسمعه النفس الظاهرة ، على ما يخطر أشياء بالقلب من غير أن يعلم به الإنسان أنه من أين جاء ؟ ومن أين هيجانه ؟ وعلى ما يقذف ويوسوس أشياء في القلوب من غير أن يعلم ذلك ويطلع عليه ؛ فعلى ذلك يجوز أن يكون له صوت يدعو الناس به ، وإن كنا لا نسمعه ؛ لكنّه يسمع النفس الخفيّة بما يسمع النفس الظاهرة ، وبها نبصر - أعني : بالنفس الخفية - ألا ترى أن النائم يرى أشياء ويكون في أقصى الدنيا ، ونفسه الظاهرة ملقاة هاهنا ؛ فذلك كله بالنفس الخفية . والثاني : على التمثيل ، ليس على « 3 » تحقيق الصوت ، لكن ذكر الصوت ؛ لما بالصوت يوصل « 4 » إلى إعلام بعضهم بعضا ، وبه يدعو بعضهم بعضا عند البعد ؛ فذكر « 5 » الصوت له مكان الوسوسة التي يوسوس الناس أشياء من بعد ، ويدعوهم به إلى معاصي الله - تعالى - وكذلك قال الحسن في قوله :
فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ
[ طه : 120 ] : من بعد من غير أن كان هنالك تقرب منه . والثالث : على إضافة عمل كل عاص من نحو الغناء والمزامير وغيره ، أو ما يضاف عمل كل طاغ وكل ضال إليه ؛ أضيف ذلك إليه كما أضاف إليه موسى حيث قال :
هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
[ القصص : 15 ] ، وقوله :
وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ
[ الكهف : 63 ] ، ولم يكن ذلك عمل الشيطان حقيقة ، ولكن قال ذلك وأضافه إليه ؛ لما بأمره ودعائه يعمل ذلك .
هامش
( 1 ) انظر : مجاز القرآن لأبي عبيدة ص ( 384 ) ، وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ( 1 / 258 ) . ( 2 ) انظر : المصدرين السابقين . ( 3 ) زاد في ب : التحقيق . ( 4 ) في أ : يرسل . ( 5 ) في ب : فذلك .