تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 77

مساهمون:

ص٧٧
فعند ذلك سأل ربّه النظرة [ إلى يوم القيامة ] « 1 » ؛ ليغوين عباده ، وعلم اللعين : أن طاعة خلقه له لا تزيد في ملكه شيئا ، وعصيانهم لا ينقص في ملكه شيئا . لذلك قال :
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ
،
وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ
،
وَلَأُضِلَّنَّهُمْ
، وما ذكر . وقوله - عزّ وجل - :
قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ
. مع إحساني إليهم وإنعامي عليهم .
فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
. وقوله - عزّ وجلّ - :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ
. هذا يخرج على وجهين : أحدهما : على التمكين له ذلك والإقدار على ما ذكر ، أي : مكن له ذلك ، وأقدر عليه ؛ لخذلانه إياه لما عصى ربّه وترك أمره ؛ لما رأى أمره بالسجود لآدم جورا منه ، حيث قال له :
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ
[ الحجر : 35 ] . مكن له ذلك ، لتتم « 2 » له اللعنة والخذلان . والثاني : قال ذلك له على التوعد والتهدد ؛ ألا ترى أنه ذكر هذا على أثر وعيد ، وهو قوله :
فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً
، فيخرج « 3 » على إثر ذلك مخرج الوعيد له ولمن تبعه وأجابه ، كقوله :
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
[ فصلت : 40 ] لهذا وإن كان ظاهره أمرا فهو وعيد ؛ فعلى هذا قوله :
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ
فإن لك ولمن تبعك كذا . أو لما ذكرنا من التمكين له ذلك والإقدار على ذلك ليتم له اللعنة والخذلان . والثاني : قال ذلك الذي لعنه ، وإلا لا يجوز أن يكون الله يأمره بما ذكر أن يخرج الأمر بما ذكر مخرج سفه والأمر بالفحشاء ، وقد أخبر أنه : لا يأمر بالفحشاء والمنكر ، وإنما يأمر بالعدل ؛ كقوله :
إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ
[ الأعراف : 28 ] ، وقوله :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ
[ النحل : 90 ] ؛ فلو حمل هذا على الأمر لكان أمرا بالفحشاء والمنكر فدلّ أنه يخرج على أحد الوجهين اللذين ذكرناهما ، أو على الاستبعاد والإياس عن أن يملك أو يقدر عليهم بما ذكر إلا من اختار منهم اتباعه ، وهو ما ذكر :
إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ . . .
الآية [ الإسراء : 65 ] ، والله أعلم .
هامش
( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : ليتم . ( 3 ) زاد في ب : واستفزز .