تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
وقوله - عزّ وجلّ - :
وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
. يحتمل قوله :
الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
الوجوه الثلاثة : أحدها : الدعوة ؛ كقوله :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ
[ النحل : 125 ] : أمره أن يدعوا إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة ؛ فالتأنيث للدعوة ، كأنه قال : ادع لهم الدعوة التي هي أحسن الدعوة ، على إضمار الدعوة . وجائز على إضمار الحسنة ، أي : قل لهم أن يقولوا لهم الحسنة التي هي أحسن . أو على إضمار الأقوال ؛ كأنه قال : يقولوا لهم الأقوال التي هي أحسن الأقوال ، وإلا ظاهره أن يقول : « يقولوا الذي « 1 » هو أحسن » . والثاني : على إضمار المجادلة - المناظرة - معهم ؛ كقوله :
وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] : أمر رسوله أن يجادلهم أحسن المجادلة والمحاجة معهم . والثالث : في حسن المعاملة معهم والعفو والصفح عما كان منهم إلى المسلمين من أنواع الأذى فأمرهم أن يحسنوا معاملتهم ويصفحوا عنهم ، كقوله :
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
[ المائدة : 13 ] ، وكقوله :
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . .
الآية [ المؤمنون : 96 ] ، وقوله :
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ . . .
الآية [ آل عمران : 143 ] ونحوه من الآيات : أمرهم أن يعاملوا أولئك أحسن المعاملة ، [ وهو أن الله يتركهم ] « 2 » ولا يكافئهم بسوء صنيعهم ، ولكن يعفون عنهم ، ويصفحون لما لعلهم يكونون أولياء وحميما على ما أخبر ، ويصيرون إخوانا لهم من بعد هذا في حق هذه الآية . وأمّا من جهة الحكمة ، وهو أن الله - تعالى - أنشأ هذا اللسان وجعله ترجمانا بين الخلق : به يفهم بعضهم من بعض ، وبه يقضي الحوائج بعضهم من بعض ، وبه قوام معاشهم ومعادهم ، وبه بعث الرسل والكتب جميعا ، فإذا كان كذلك فالواجب ألا يستعمل إلا في الخير والحكمة ، ولا ينطق به إلا ما هو أحسن وأصوب ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجلّ - :
إِنَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ
. أي : يفسد بينهم ويوسوس إليهم ويغري بعضهم على بعض ؛ ليفسد بينهم ، وذلك كقوله :
إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً
. أي : كان الشيطان منذ كان للإنسان عدوّا ظاهرا عداوته بيّنا . جعل الله - تعالى -
هامش
( 1 ) في ب : التي . ( 2 ) سقط في ب .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 62 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم