التي طلبوا ] الإيمان فيه أحوال لا يمكن فيها الإيمان وما تمنوا من العمل الصالح ، والله أعلم .
وفيه نقض قول الباطنية ؛ لأنهم يقولون : البرزخ هو أن يجعل للمؤمن من الأعمال الصالحة صورة روحانية تبقى أبدا تثاب تلك الصورة الروحانية من الأعمال ، وأن يجعل من الأعمال السيئة للكافر صورة قبيحة روحانية هي تعاقب وتعذب أبدا ، فذلك البعث عندهم ، فأخبر - عزّ وجل - أن بين موتهم وبين البعث : البرزخ ، وهو الأجل الذي ذكرنا ، أو الحاجز ؛ فدل ذلك على نقض قولهم : أن ليس البعث إلا خروج الصورة دون المعاينة .
وقوله :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
.
إن كان قوله :
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
في الناس كلهم ؛ فذلك في اختلاف المواطن ، على ما قال ابن عباس « 1 » وغيره من أهل التأويل ، واختلاف الأوقات :
لا يتساءلون في موطن أو في وقت ، ويتساءلون في وقت آخر ؛ ألا ترى أنه قال :
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ
[ الصافات : 27 ] ، ونحوه .
وإن كانت الآية في [ أهل ] الكفر خاصّة فهو يخرج على وجهين :
أحدهما :
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
؛ لأنه كان يتناصر بعضهم ببعض على غيرهم ، ويستعين بعضهم بعضا ، ويكونون ردءا لهم في هذه الدنيا وشفعاء وأعوانا وأنصارا ، فأخبر أن ذلك ينقطع بينهم ويذهب ذلك التناصر عنهم في الآخرة ، والعرب خاصّة كان يتفاخر بعضهم على بعض بالأنساب ويتناصر ؛ فأخبر أن ذلك منقطع عنهم في الآخرة « 2 » .
والثاني :
فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ
وما ذكر
يَوْمَئِذٍ
؛ لشغلهم بأنفسهم ؛ لفزع ذلك اليوم وأهواله ينسى بعضهم بعضا ويهرب منه ، كقوله :
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ . . .
الآية [ إبراهيم : 43 ] ، وقوله :
يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . . .
الآية [ عبس : 34 ] ، وقال في آية أخرى :
وَتَرَى النَّاسَ سُكارى . . .
الآية [ الحج : 2 ] ، فذلك كله ؛ لشدة أهوال ذلك اليوم وأفزاعه كأن لكل في نفسه شغلا حتى لا يتفرغ إلى أحد وإن قرب عنه لشغلهم بأنفسهم .
وإن كان في الناس جميعا فهو ما ذكرنا أن ذلك يكون في اختلاف المواطن والأوقات :
يسألون في وقت ولا يسألون في وقت ، ويسألون في موطن ولا يسألون في موضع ، أو
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 25665 ، 25666 ، 25667 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 5 / 30 ) .
( 2 ) ينظر : اللباب ( 14 / 258 ، 259 ) .