وقوله :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ
.
ظاهر هذا أن يكون قوله :
رَبِّ ارْجِعُونِ
بعد الموت ، وبعد ما عاين أهوال الآخرة وأفزاعها ؛ لأن الموت ليس هو شيء يأتي من مكان إلى مكان ؛ إنما هو شيء يذهب بالحياة التي فيهم ، إلا أن أهل التأويل « 1 » قالوا : إن ذلك عند معاينتهم ملك الموت ، وعند هجومه عليهم بأهواله ؛ فعند ذلك يسألون الرجعة إلى الدنيا ، والأول أشبه وأقرب .
ثم قوله :
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
: ليس هو صلة قوله :
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ
، ولا جوابه ؛ لأنه ليس من نوعه ، ولا من جنس ذلك ، ولكنه - والله أعلم - صلة قوله :
بَلْ أَتَيْناهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ
، وجواب قوله :
وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
، ونحوه الذي تقدم ذكره ، يقول : وإنهم على ذلك
حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ
، فعند ذلك يرجع إلى الحق والتصديق ، لكن ذلك لا ينفعه في ذلك الوقت
قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ
، ولم يقل : ربّ ارجعني ، وذلك يخرج على وجهين :
أحدهما : سأل على ما يسأل الملوك ويخاطبون : افعلوا كذا ، على الجماعة ، وإن كان إنما يخاطب واحدا ؛ على ما خرج جواب الله وقوله : إنا فعلنا كذا ، ونفعل كذا .
والثاني : أن يكون قوله :
رَبِّ ارْجِعُونِ
: يسأل ربه أن يأمر الملائكة الذين يتولون قبض أرواحهم أن يرجعوه إلى ما ذكر ، والله أعلم .
وقوله :
لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ
.
قال بعضهم :
فِيما تَرَكْتُ
، أي : فيما كذبت .
وقال بعضهم :
فِيما تَرَكْتُ
: في الدنيا من الأعمال الصّالحة فأعمل بها .
وجائز أن يكون قوله :
فِيما تَرَكْتُ
: من الأموال فأؤدي منه حقك ؛ لأن من الكفرة ما كان سبب كفرهم منع الزكاة وجحودها ؛ كقوله :
وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ . الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ
[ فصلت : 6 ، 7 ] فيسأل ربه أن يرجع إلى المال الذي تركه ؛ ليؤدّي الحق الذي كان فيه فمنعه ، كقوله :
فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ
[ المنافقون : 10 ] ، وقوله :
فَأَصَّدَّقَ
، أي : فأتصدق بالصدقة التي منعتها ؛ لأن الخطاب في الصدقة بقوله :
أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ . . .
الآية [ البقرة :
254 ] ، وهذا أشبه ، والله أعلم .
وقوله :
كَلَّا
، هو ردّ لما سألوا من الرجعة .
هامش
( 1 ) قاله ابن زيد ، أخرجه ابن جرير عنه ( 25651 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 5 / 28 ) .