تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 490

مساهمون:

ص٤٩٠
أو أن يكون قوله :
سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
كما يوصف المخلوق المحدث ؛ لأنهم وصفوه بالولد ، والولد في متعارف الخلق لا يكون إلا من الولد والأم ، هذا [ هو ] التوالد المعروف فيما بين الخلق ، فإذا وصفوه باتخاذ الولد شبهوه بالمخلوق المحدث من الوجه الذي ذكرنا ؛ فنزه نفسه عن ذلك . قوله تعالى :

[ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 93 إلى 98 ]

قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ ( 93 ) رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 94 ) وَإِنَّا عَلى أَنْ نُرِيَكَ ما نَعِدُهُمْ لَقادِرُونَ ( 95 ) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَصِفُونَ ( 96 ) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ ( 97 ) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ ( 98 ) وقوله :
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
. وقوله :
رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ
: يحتمل على وجهين : أحدهما :
رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ * رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
؛ لأنه كان وعد له أن يريه بعض ما وعد لهم بقوله :
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ
[ غافر : 77 ] ؛ فلا نريك شيئا ؛ فقال : ربّ إن أريتني ما يوعدون أو لا تريني فلا تجعلني في القوم الظالمين . والثاني : أنك ، وإن أريتني ما تعدهم على التحقيق ، فلا تجعلني في القوم الظالمين . ثم يحتمل قوله :
فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
وجهين : أحدهما : لا تجعلني في القوم الظالمين : في العذاب الذي وعدت لهم أن ينزل ؛ لأنه من العدل أن يعذبه ويعامله معاملة أهل العدل ؛ كأنه يقول : ربّ لا تعاملني معاملتك إياهم ، وإن كان ذلك من العدل أن تعاملني مثل ما تعامل أولئك ؛ لأن رسول الله ، وإن لم يكن [ له ] زلات ظاهرة ، فلقد كان من الله إليه من النعم والإحسان : ما لو أخذ بشكر ذلك لم يقدر على أداء شكر واحدة منها فضلا عن أن يؤدي شكر الكل ؛ ألا ترى أنه روي عنه صلى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله ؛ فقيل : ولا أنت يا رسول الله ؟ فقال : ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته » « 1 » . ويحتمل قوله :
فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
: في الزيغ والغواية ، يسأل ربّه أن يعصمه عن الزيغ بالضلال والغواية الذي عليه القوم الظالمون ، وهو كدعاء إبراهيم ربّه وسؤال العصمة عن الزيغ بقوله :
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 11 / 300 ) ، كتاب الرقاق : باب القصد والمداومة ( 6463 ) ، ومسلم ( 4 / 2169 ) ، كتاب صفات المنافقين : باب لن يدخل أحد الجنة بعمله ( 71 / 2816 ) ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : « لن ينجي أحدا منكم عمله ، قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمة ، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة ، والقصد القصد تبلغوا » .