تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
تقصد ، وهو البقاء الدائم لا فناء فيه ، وهو ما ذكر :
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ
. وقوله :
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
. أما أهل التأويل فمنهم من قال : نفخ الروح فيه ، وهو قول ابن عباس « 1 » وغيره « 2 » . وقال بعضهم إنبات الشعر ونحوه ، وهو قول قتادة « 3 » وغيره « 4 » . وعن الحسن وغيره : ذكر أو أنثى . وجائز أن يكون قوله :
أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
: غير ما قال هؤلاء ، وهو إظهار الجوارح والأعضاء وتركيبها ، ما فيه دلالة ؛ لأنه أخبر أنه يقلبه شيئا واحدا مصمتا ليس به هذه الجوارح والأعضاء ، إنما يكون فيه آثارها لا أعينها فيركب فيه أعين الجوارح والأعضاء حتى يكون إنسانا ، فذلك هو إنشاء خلق آخر ، ويكون نفخ الروح ونبت الشعر في تركيب ما ذكرنا ، والله أعلم . ومن ينكر خلق الشيء لا من شيء ، ويقول بقدم العالم إنما ينكر ذلك ؛ لما لم ير في الشاهد صنع شيء لا من شيء ، فيقال له : وهل رأيت إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأصل حتى لا يبقى له أثر ، فإذا لم تر هذا في الشاهد ، وقد رأيت في الغائب إنشاء شيء من شيء على إتلاف الأوّل منه ، نحو النطفة تصير علقة على تلف النطفة فيها ، والعلقة مضغة على إتلاف العلقة فيها . . . إلى آخر ما ذكر ، كل ذلك منشأ من آخر إنما كان بعد تلف الأصل ، فهلا دل ذلك [ على ] أن عدم الإنشاء في الشاهد لا من شيء لا يدل على عدمه في الغائب ، وأنه حيث قدر [ على ] هذا يقدر على كله . وقوله :
فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
. من الناس من يستدل على أنه إذا لم يكن سواه خالقا لم يكن لقوله :
أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
معنى ؛ كقوله :
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
[ يوسف : 64 ، 92 الأنبياء : 83 ] ، و
أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ
[ هود : 45 ] ، ونحوه ، إنما قال هذا لما يكون سواه رحيما حكيما كريما ؛ فأخبر أنه أحكم الحاكمين ، وأرحم الراحمين ؛ فعلى ذلك ما قال :
أَحْسَنُ الْخالِقِينَ
. ولكن جائز القول بمثل هذا عند الناس على غير إثبات آخر سواه في ذلك حقيقة ، وهو يخرج على وجوه :
هامش
( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 25457 ، 25458 ) و ( 25459 ) وانظر : الدر المنثور ( 5 / 11 ) . ( 2 ) مثل عكرمة والشعبي ومجاهد وأبي العالية ، أخرجه ابن جرير عنهم على الترتيب ( 25460 ، 25461 ، 25462 ، 25463 ) ، وانظر : الدر المنثور ( 5 / 11 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 25467 ، 25468 ) وعبد الرزاق ، كما في الدر المنثور ( 5 / 12 ) . ( 4 ) مثل الضحاك أخرجه ابن جرير ( 25469 ) .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 456 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم