تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
فجعل في قتل الولد والديه القصاص ، ولم يجعل في قتل الوالدين ولدهما ؛ فعلى ذلك هذا في البرّ والإحسان . فإن قيل : ما الحكمة فيما قرن الله من شكر والديه شكره في غير آية من القرآن :
اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ
[ لقمان : 14 ] . قيل : لأنه بهما كان نماؤه من أول حاله إلى آخر ما انتهى إليه من التغذية والتربية والوقاية من كل سوء والحفظ من كل آفة وشر . وفي الآية دليل لقول أبي حنيفة ؛ حيث قال في المكاتب : إذا اشترى والده أو أمّه صار مكاتبا ، وإذا اشترى أخاه أو ذا رحم محرم منه - لم يصر مكاتبا ؛ لأن الأب والأم يصيران كذلك بحق الجزاء والشكر ؛ فعليه ذلك ، وأمّا الأخ وغيره من المحارم بحق المعروف ؛ فملكه لا يحتمل ذلك . والخطاب من الله - وإن كان مع رسوله - فالمراد منه غيره ؛ لأن رسول الله معلوم أنه لم يدرك والديه في الوقت الذي أرسل إليه وخاطبه بما خاطب ؛ دلّ أنه أراد بالخطاب غيره - كل محتمل [ منه ] « 1 » ذلك وموهوم منه - وأمره أن يعاملهما بالمعاملة التي ذكر ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
. يحتمل أن يكون الجناح كناية عن اليدين ؛ لأن اليدين في الإنسان بموضع الجناح للطائر ، وجناح الطائر يداه ؛ فكأنه قال : اخفض واخضع لهما بيديك كما أمره أن يخضع لهما بلسانه بقوله :
وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
، أي : اخضع لهما قولا وفعلا . ويحتمل أن يكون الجناح كناية عن النفس ، أي : اخضع لهما بجميع النفس والجوارح ، وقوله :
الذُّلِّ
: يحتمل أن يكون المراد من الذل : الذل نفسه ، أي : كن لهما كالمستعين المحتاج إليهما لا كالمعين لهما قاضي الحاجة ، ولكن ذليلا كالمستعين من الآخر رافع الحاجة إليه . ويحتمل أن يكون الذلّ كناية عن الرحمة التي تكون في القلب ، أي : اخضع لهما برحمة القلب والجوارح جميعا ؛ ألا ترى أنه قال :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
[ المائدة : 54 ] ، أي : رحماء على المؤمنين أشداء على الكافرين ؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] . وذكر مقابل الذل في تلك الآية - الرحمة في هذا ، ومقابل العزة - الشدة ؟ ! فعلى ذلك يحتمل أن يكون قوله : جناح الذل كناية عن الرحمة ؛ فيكون معناه : أن اخضع لهما
هامش
( 1 ) سقط في أ .