تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 29

مساهمون:

ص٢٩
ولا تخشن ، لكنه ذكر أول حال الاستثقال والكراهة منه وآخرها ، أي : لا تقل لهما ( أف ) على ما يستثقل الناس شيئا ويكرهون في أول حال يرون شيئا مستثقلا مكروها - يقولون : أف ، أي : لا تقل أف ؛ لئلا يحمل ذلك على العنف والخشونة والنهر ؛ وعلى هذا المعنى قالوا في قوله :
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ . . .
الآية [ النور : 30 ] ، قال بعضهم : يغضوا من أبصارهم وليحفظوا فروجهم ؛ لأن النظر بالبصر يحمله على الزنى في الفرج ؛ ومنه يكون بدء الفجور . وقال بعضهم قوله :
يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ
[ النور : 30 ] : ذكر أوّل حال وآخرها ؛ ليمتنعوا عن كل ذلك ؛ فعلى ذلك قوله :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما
: ذكر أوّل الحال وآخرها . والثاني ، أي : لا تظهر في وجهك من الكراهة والاستثقال ليحمل ذلك على العنف والانتهار . فإن كان تأويل قوله :
أُفٍّ
- ( أف ) لا غير ، ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في قوله : إذا نفخ المصلي في موضع سجوده ، فهو كلام يقطع صلاته ؛ حيث قال :
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
، أي : لا تتكلم به ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجلّ - :
وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
. حيث نهاه أن يقول لهما : أف ، ونهاه أن ينهرهما ؛ فإذا امتنع عن الأفّ والنهر كان بعد ذلك قولا ليّنا لطيفا . قال أبو عوسجة : يقال : نهرته وانتهرته ، وهو الخشن من الكلام شبه الوعيد . وقال أبو بكر الكيساني : الكريم : هو الذي يولي على آخر نعمه ، ويهنيه بترك الأذى والمنّ ؛ كقوله :
لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
[ البقرة : 264 ] ، وقال غيره : في وصف السخي ، فقال : الذي يبذل ما احتوى عليه لمن احتاج إليه ، وقطع طمعه عما احتوى عليه غيره عند حاجته إليه . ويشبه أن يكون الكريم قريبا منه . فإن قيل : إن الوالدين كالمجبولين المطبوعين على البرّ لأولادهما ، والشفقة عليهم ، ولا كذلك الأولاد ؛ فكيف يشبه بر من كان مجبولا به مطبوعا عليه - برّ من لم يكن ذلك بطبعه . قيل : لذلك ذكر هذا في الولد دون الوالدين ، وأمرهم بذلك ؛ لأن ما يفعل الوالدان من البرّ والإحسان إلى الولد يفعلان بطبع ، والولد لا ؛ لذلك كان ما ذكر والله أعلم . ولهذا ما لم يجعل ولم يشرع قتل الوالد بولده ؛ إذ [ ليس ] القصاص حياة بينهم ، وشرع قتل الولد بوالديه ؛ إذ في الوالدين من الشفقة والرحمة ما يمنع قتل الولد ، وليس في الولد ذلك ؛
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 29 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم