تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
تتلى عليهم آيات القرآن بعد ما آمنوا
خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
. ويشبه أن يكون هذا في أولئك الذين ذكر أنه أنعم عليهم كانت لهم آيات في كتبهم فيها سجود إذا تليت عليهم خروا لله سجدا وبكيّا . أو أن يكون لا على حقيقة السجود ، ولكن على الخضوع له والقبول لحججه وبراهينه التي تليت عليهم ، أو أن يكونوا لا يملكون أنفسهم إذا رأوا آيات الله وسلطانه ، ولكن وقعوا سجدا على ما أخبر عن سحرة فرعون عند معاينتهم الآيات ، حيث قال :
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً
[ طه : 7 ]
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ
[ الشعراء : 46 ] ليس أن سجدوا له ، ولكن يلقون سجدا لما لا يملكون أنفسهم عند معاينتهم الآيات . قال أبو عوسجة :
وَبُكِيًّا
، فيه ثلاث لغات : بكيا ، وبكيّا ، وبكيّا ، وهو جماعة الباكي . وقوله :
نَجِيًّا
يقال : فلان نجيّ فلان ، أي : موضع [ سره ] . ويحتمل قوله :
إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا
: أن يكون كناية عن الصلاة ، وصفهم - عزّ وجل - أنهم كانوا يكونون في الصلاة خاشعين باكين . قوله تعالى :

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 59 إلى 65 ]

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ( 59 ) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً ( 60 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا ( 61 ) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلاَّ سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا ( 62 ) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا ( 63 ) وَما نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ( 64 ) رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ( 65 ) ثم قال :
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ
، أي : خلف من بعد أولئك الذين وصفهم - عزّ وجل - بالصلاة لله ، والخشوع لله فيها ، والبكاء ،
خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ
، أي : جعلوها لغير الله ، وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها ، فإذا جعلوها وصرفوها إلى غير الذي يصلي [ إليه ] أولئك فقد أضاعوها ؛ لأنهم كانوا يصلون للأصنام الصلاة التي كان يصلي أولئك لله . ويحتمل أن يكون قوله :
أَضاعُوا الصَّلاةَ
؛ لأن الصلاة هي آخر ما يترك ويضيع ؛ لأنه روى في الخبر أنه قال : « سينقض عرى الإسلام عروة فعروة ، أوّلها الأمانة ، وآخرها الصّلاة » .