تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 21

مساهمون:

ص٢١
مترفيها ، أي : أكثرنا عددهم وسلطنا مترفيها فسّاقها ومستكبريها . والثاني :
أَمَرْنا مُتْرَفِيها
، أي : أكثرنا عددهم ومنعّميهم ؛ يذكر لهم هذا لقولهم :
وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ . . .
الآية [ الزخرف : 23 ] ، وقولهم :
نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً . . .
الآية [ سبأ : 35 ] : كانوا يزعمون أنهم لا يعذبون ؛ لأنهم قد أنعموا في هذه الدّنيا وأكثروا أموالهم وأولادهم ؛ فأخبرهم - عزّ وجل - أنه ما أهلك من الأمم الخالية إلا بعد ما كثر عددهم ووسع عليهم الدنيا ، لم يهلكوا في حال القلة والضيق ؛ كقوله :
ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا
، أي : كثروا ، وقوله :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
[ الأنعام : 44 ] : لم يأخذ بالعذاب الأمم الخالية إلا في حال كثرتهم وأمنهم وغرّتهم بالسّعة ؛ يحذر هؤلاء ؛ لئلا يغتروا بكثرة أموالهم وأولادهم وعددهم . ومن قال :
أَمَرْنا مُتْرَفِيها
بالتخفيف هو من الأمر ، أي : أمرنا عظماءهم وكبراءهم طاعة الرسل « 1 » والإجابة إلى ما دعاهم إليه ، حتى إذا عصوا رسله وتركوا إجابتهم - على العناد والمكابرة - فعند ذلك يهلكون ؛ لما ذكرنا أنه لم يستأصل الأمم الخالية إلّا بعد عنادهم في آيات الله ، ومكابرتهم في دفعها وتكذيبها ، لا يهلكهم في أول ما كذبوا آيات الله وخالفوا رسله . وقوله :
مُتْرَفِيها
، قال بعضهم : المترف : المنعّم ، وقال بعضهم : المترف : المكرم والمستكبر ، وكله واحد . وفي قوله :
وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً
دلالة أن الإرادة غير المراد ؛ لأنه أخبر بتقدم الإرادة عن وقت الإهلاك ؛ دل أنها غيره ، وفيه أنه أراد السبب الذي به يهلكون ، وهو التكذيب والعناد ؛ لما علم منهم أنهم يختارون ذلك ؛ إذ لا يحتمل أن يريد هلاكهم ، وهو يعلم منهم غير سبب الهلاك ؛ فهذا يرد قول المعتزلة : إن الإرادة هي المراد ، وأنه لم يرد ما كان منهم من سبب الهلاك ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجلّ - :
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
. بما أراد إهلاكهم وجب عليهم ، أو يكون قوله :
فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ
بما أخبر عن الأمم الخالية ، وهو قوله :
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ . . .
الآية [ الأحزاب : 38 ، 62 ] . وقوله - عزّ وجلّ - :
فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
.
هامش
( 1 ) في ب : الرسول .
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي ) — صفحة 21 | أبي منصور الماتريدي / مجدي باسلوم