حرف أبيّ .
فإن قيل : كيف احتج على قتله وإهلاكه بما علم أنه يلحق أبويه منه الطغيان والكفر ، وقد ترك ، إبليس وجنوده يعيشون إلى آخر الدهر ، على علم منه أنهم يحملون الناس على الطغيان والكفر ، ويرهقونهم أنواع المعاصي والفواحش ؟ ! وكذلك هؤلاء الظلمة الذين لا يكون منهم إلا كل شر وجور على الناس ثم تركهم على علم منه بما يكون منهم ؟ ! فما معنى الاحتجاج في قتله وإهلاكه بما ذكر من إرهاق الطغيان والكفر بالوالدين ؟ !
قيل : لهذا جوابان :
أحدهما : أن الله - تعالى - قد يمتحن البشر بمعان وعلل وأشياء ، تحملهم تلك المعاني والأشياء على الرغبة والحث فيما امتحنهم ، وإن كان له الامتحان لا على تلك المعاني والعلل ، نحو ما امتحنهم بأنواع العبادات والطاعات بثواب وجزاء ذكر لهم فيها لو فعلوا ، وإن كان له الامتحان بذلك على غير ثواب ولا جزاء ، وكذلك العقوبات وغير ذلك من المحن ؛ فعلى ذلك الأول .
والثاني : ذكر هذا لتطيب به أنفسهم ؛ إحسانا منه إليهم ، وإنعاما عليهم ؛ إذ له أن يميتهم صغارا وكبارا ، وعلى ذلك يخرج قوله :
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ . . .
الآية [ الشورى : 27 ] ، وقد وسع على كثير من الخلق ، وكذلك قوله :
وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . . .
الآية [ الزخرف : 33 ] ، وقد جعل لكثير من الخلق ذلك ، لكن هذا لما له أن يفعل ذلك للكل ، فمن لم يفعل ذلك له إنما لم يفعل إحسانا منه وإفضالا ؛ فعلى ذلك الأول إنما ذكر ما ذكر إحسانا منه وإفضالا ، والله أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً
.
قال بعضهم « 1 »
خَيْراً مِنْهُ زَكاةً
، أي : صلاحا ،
وَأَقْرَبَ رُحْماً
: أي : أوصل رحما وأبرّ لوالديه .
وقال بعضهم :
خَيْراً مِنْهُ زَكاةً
، أي : عملا ،
وَأَقْرَبَ رُحْماً
، أي : أحسن منه برّا لوالديه .
قال أبو عوسجة :
رُحْماً
، من الرحم والقرابة .
وقال القتبي « 2 » :
رُحْماً
، أي : رحمة وعطفا .
وذكر أنهما قد أعطيا خيرا منه ، أي : خيرا من القتيل ، والله أعلم .
وقوله - عزّ وجل - :
وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ
هامش
( 1 ) انظر : تفسير البغوي ( 3 / 176 ) .
( 2 ) انظر : تفسير غريب القرآن ص ( 270 ) .